الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية التى جرت مؤخرا فى كل من المغرب والبحرين وباكستان وتركيا لتؤكد على أن الشعوب قد صوتت ضد اميركا وذلك من خلال النتائج التى لم يكن بعضها متوقعا فى كل هذه الدول لاسيما باكستان التى لم يكن الاسلاميون قد تمكنوا فى انتخاباتها السابقة عام 1997 من الحصول إلا على مقعدين فقط من مقاعد البرلمان فقد تمكنوا فى هذه الانتخابات من الحصول على 49 مقعدا وأصبحوا يسعون الآن لتشكيل الحكومة، مما وضع المسئولين فى مأزق كبير حيث تأخر تكليف رئيس جديد للحكومة بعدما وجد أمامه مولانا فضل الرحمن عراب حركة طالبان التى حاربتها اميركا وأسقطت نظامها فى أفغانستان والذى وضع تحت الاقامة الجبرية بتوصية اميركية لعدة أشهر هو المرشح الأقوى لهذا المنصب. الأخطر من ذلك فى باكستان التى تتكون من أربعة أقاليم أن الأسلاميين تمكنوا من الفوز فى الاقليمين المجاورين لأفغانستان والتى تشكل بيشاور وكويته عاصمة لكل منهما مما يعنى أن الاسلاميين سوف يشكلون الحكومة المحلية فى هذين الاقليمين مما يعنى أن مطاردة فلول القاعدة وطالبان سوف تكون صعبة للغاية فى المرحلة المقبلة لذلك وجدت اميركا نفسها مضطرة لعقد جلسات مطولة مع قادة التحالف الاسلامى خوفا على وجودها وعلى خططها فى المنطقة. أما الجانب المهم الآخر فى الانتخابات الباكستانية فهو أن الجيل القديم من السياسيين فى طريقه للانقراض، وأذكر حينما قمت بتغطية الانتخابات الباكستانية بين عامى 1987 و 1990 كانت معايير اختيار المرشحين تقوم على من لديه المال أو الارث السياسي، وأفضل مثال على ذلك هو كل من نواز شريف وبنازير بوتو، ومن لديه المال كان يمكن أن يشترى مقعده فى البرلمان لذلك كان الاسلاميون رغم شعبيتهم مقاعدهم قليلة فى البرلمان لأن أنصارهم كانوا ينتخبون من يدفع لهم المال ، أما فى الانتخابات الأخيرة فقد نجح أناس لا يملك أحدهم ثمن الهاتف النقال أو بيتا يليق باستقبال الناخبين، وقد ذكرت صحيفة الحياة فى عددها الصادر فى 14 نوفمبر الجارى صورا عديدة لأمثال هؤلاء مما يعنى أن التصويت فى باكستان كان بحق ضد اميركا ، وما حدث فى باكستان حدث فى تركيا التى أصبح العسكر فيها مثل عسكر باكستان فى مأزق كبير فرجب الطيب أردوغان اكتسح مع حزبه الانتخابات محققا فوزا لم يتحقق منذ عقود طويلة لأى حزب سياسى فى البلاد، وأذكر حينما التقيته فى بلدية اسطنبول حينما كان رئيسا لها عام 93 وأجريت معه حوارا صحفيا مطولا أن الرجل كان لديه تصور لتغيير وجه تركيا كلها وليس اسطنبول وحدها التى نجح فى تغييرها خلال عامين فقط بعد توليه رئاسة بلديتها وهذا سوف يحدث بالفعل إذا تركه العسكر ، فقوانين كثيرة سوف تتغير ، وسوف تعود تركيا شيئا فشيئا لهويتها ، والأتراك الذين صوتوا ضد اميركا صوتوا كذلك ضد الحرس السياسى القديم كله فى البلاد، ذلك الحرس الذى ظل أحدهم وهو رئيس الوزراء السابق بولنت أجاويد متشبثا بالكرسى حتى وهو لا يستطيع أن يخطو خطوتين للأمام دون مساعدة من يمسك به من اليمن ويرفعه من الشمال ، وبذلك توارى جيل سياسى كامل فى تركيا ليأتى جيل جديد يترقب الكثيرون ما سوف تؤول إليه تركيا على يديه. أما الشعب المغربى فقد قلب الخارطة السياسية فى نفس الاتجاه ، حيث حصل حزب العدالة هناك على ثلاثة أضعاف المقاعد التى كانت له فى البرلمان السابق مع أن نسبة المصوتين كانت كما هى حوالى 52 % من الناخبين مما يعنى أن الكثيرين قد غيروا خيارهم هذه المرة نكاية فى اميركا دون شك ، وكذلك فعل البحرينيون حيث حصل الأسلاميون على ما يزيد على نصف مقاعد البرلمان ، ولو أقيمت انتخابات حرة فى كل الدول العربية والأسلامية وحتى فى دول العالم الأخرى لصوت الجميع ضد اميركا ، ولعل المظاهرة الضخمة التى خرجت فى شوارع فلورنسا الايطالية فى الأسبوع الماضى وشارك فيها حوالى نصف مليون ، وقبلها مسيرة لندن التى كان رأسها عمدة لندن وكانت الأضخم فى بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية ، ومسيرات أخرى كبرى ملأت شوارع المدن الكبرى فى اميركا ومدن أوروبا، كانت كلها بمثابة تصويت ضد اميركا.. مع كل هذا فالقائمون على القرار السياسى فى اميركا لايعبأون بأحد ، ويصرون على إخضاع العالم ولو بالقوة للهيمنة الاميركية، لكن غطرسة القوة أنست هؤلاء حقيقة مهمة يعرفها المؤرخون والحكماء الأميركيون الذين لم يعد يسمع صوتهم أو يقرأ لهم أحد، هى أن إرادة الشعوب لا تقهر ودورة التاريخ لن تقف عند اميركا لاسيما وأن الجميع الآن يصوت ضدها ،فهل آن للعقلاء أن يفهموا؟. ـ كاتب واعلامي مصري