الاثنين 13 رمضان 1423 هـ الموافق 18 نوفمبر 2002 ماذا لو قيل لك اختر واحدة من هاتين العبارتين اللتين تجسدان قاعدتين من قواعد السلوك الاجتماعي. تقول لك العبارة الاولى: عبر عن نفسك دون كبت وتقول لك العبارة الثانية: عبر عن نفسك دون كبت وبانضباط. فماذا ستختار؟ اغلب الظن اننا سنتجاوب مع منظومة القيم التي ننتمي اليها، وستشدنا هويتنا العقائدية ونقول جميعا وبصوت مسموع: نحن مع العبارة الثانية. حيث ان الحرية المسئولة هي صمام الامان من الوقوع في الخطأ، بينما تترك العبارة الاولى الخيار مفتوحا امام تصرفات الفرد دون ان تحمله مسئولية افعاله وأقواله!! ورغم ان اجابة القراء الكرام كانت موفقة ومتناغمة مع قواعد التربية السليمة، ومع مباديء ادارة الذات الا ان للواقع لغة اخرى يرد بها على ذلك الحماس العاطفي، وتلك الامنيات الجميلة في ان نعود ابناءنا وان نلزم انفسنا بأن يكون التعبير عن الرأي وفق ميزان الحرية المسئولة. وأقرب شاهد على ما أقول البرنامج الجديد الذي يطل علينا به دريد لحام الذي عرفناه ممثلا في السابق، وبرز بعدها مقدما لبرامج حوارية اختلف في مدى قدرتها على الاتصال مع ما يجري في الواقع. ولكنه في هذه المرة خرج علينا بفكرة جديدة نجومها اطفال صغار يجلسون فوق المنصة الرئيسية التي اعتدنا ان تكون حكرا على عالم الكبار، وعلى كراس غاية في الاناقة وتحت الاضواء الساطعة يحيط بهم جمهور لا بأس به من حيث العدد، ويضفي وجوده في الاستديو شعورا خاصا بأن هؤلاء الاطفال محل تقدير واكبار. الى هنا والفكرة تبدو جيدة حيث من المفيد ان تترك مساحة للاتصال المباشر بين جيلين احدهما في طور التعلم المبكر، والآخر قد عركته الحياة وحنكته التجارب. ومما أضفى على الشكل الخارجي المزيد من الخصوصية والحفاوة بالنجوم الجدد هو ان التجديد في الهيئة العامة للبرنامج امتد الى الجمهور الذي تغير عن الجمهور الذي ألفناه في البرامج المخصصة للاطفال. ففي الماضي كنا نرى البرامج المصنفة بأنها للاطفال وقد احتشد عليها العشرات من البراعم الصغيرة بينما توارى آباؤهم خلف الكاميرات، يرقبونهم من بعد، ولا يشاركونهم في اي جزء من اجزاء برامجهم المخصصة لهم. اما الحال في هذا البرنامج فقد تغير لكون الاسرة قد نزلت ضيفة محتفى بها في استوديوهات الـ كقٍ. الا ان هذه المظاهر الشكلية، وهذه الصورة البراقة التي اجتهد فريق العمل في تحقيقها لم تشفع لتلك السقطة المدوية التي سقط فيها معدو البرنامج حين تركوا المجال للاطفال ليعبروا عما يشاؤون دون ان توجه اليهم بعض النصائح والارشادات في اهمية الحفاظ على اللباقة في الحديث، والتزام قواعد الذوق اثناء التعبير عن الرأي. وليس لدي شك ان من شاركني حضور الحلقة الماضية من برنامج (عالم دريد) قد شعر بالغثيان من سلاطة لسان احدى الصغيرات التي اخذت تسخر من هيئة مقدم البرنامج، ومن زيه الذي بدا ـ حسب رأيها ـ غير متجانس الألوان!! ولم تشأ الصغيرة ان تتوقف عن تويجه اشد كلمات التجريح والاساءة اللفظية حتى اشار مقدم البرنامج بأن هناك محطة استراحة، وقد بلغ به الاحراج كل مبلغ!! وأراد من خلالها ان يلتقط انفاسه اللاهثة، ويستجمع فكره الذي شتته القذائف الطفولية ذات الطلقات السريعة!! والغريب في الأمر ان الجمهور المشارك في البرنامج أخذ في التصفيق الحاد اعجابا بهذا اللسان السليط، ومباركة لتلك العفوية وذلك التعبير غير المهذب الذي تلفظت به شفتا النجمة الصغيرة!! ولو التمسنا للطفلة بعض العذر لكونها صغيرة السن وغير مدركة لكثير من تصرفاتها، فماذا نسمي تلك المباركة وذلك التأييد الشديد لاسلوب الطفلة الخاطيء!! الامر الذي يدعونا للتساؤل عن هدف هذا البرنامج وعن الفائدة التي قد تجنى من ورائه؟ ارى ان انتظار الاجابة من القائمين على هذا البرنامج لن يتجاوز مستواها عن مستوى حوار طفلة سيقت خطأ الى المكان الخاطيء!!