الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 حينما نأتي أطفالاً إلى الحياة فإننا نقطع في الزمن مسافة طويلة حتى نتمكن من الكلام مباشرة، ومن التعبير عن أنفسنا واحتياجاتنا بدون تلعثم أو بكاء.. لكننا حينما نكبر ونكون قد حذقنا فنون التعبير المباشر والوصول إلى ما نريد دون أية وسائل مساعدة، نجد أنفسنا في أحيان كثيرة نسقط في الحيرة والتردد والتلعثم متسائلين كيف نبدأ، وكيف ندخل إلى هذا الموضوع أو ذاك مباشرة، كيف نبوح بما لدينا بكل حسناته وسيئاته، ونظل نتساءل عن ردات فعل الآخرين وتعقيباتهم على ما سوف نقول، وعن مدى نجاحنا في ايصال أفكارنا بشكل صحيح وعن... وعن... الخ. وغالباً ما يقودنا التردد إلى تأجيل مشاريع البوح العاجلة، وأحياناً يجعلنا هذا التردد والتأجيل أسرى لأفكار وتهويمات تزيدنا قلقاً وتسلبنا الكثير من السعادة وراحة القلب، بينما يكمن الخلاص من كل هذا القلق العبثي في فعل وحيد هو الولوج إلى قلب المشكلة وقول ما نريد بأقل قدر من الكلمات وبأكبر قدر من الشجاعة والحسم.. المسألة تحتاج إلى قدرة نفسية للقفز فوق الأوهام التي تؤسس خوفنا وترددنا بلا مبرر. لقد كتب أحد الكتاب في دفتر مذكراته هذه الواقعة التي تلخص حكمة يحتاجها الكثيرون، وهي برغم بساطتها إلا انها قد تغيب عنّا حينما يلتهمنا القنوط، وندفع بأنفسنا إلى متاهات ضيقة دون أية مبررات سوى ما نتخيله وما نتوهمه عن الخارج وعن الآخر وأحياناً عن أنفسنا. كتب (رسول حمزاتوف) في دفتر مذكراته: «عندما كنت طالباً في موسكو، أرسل إليّ والدي نقوداً لأشتري معطفاً شتوياً، وقد أنفقت النقود ولكنني لم أشتر المعطف، وعندما عدت إلى بلدتي في داغستان في عطلة الشتاء كنت ألبس ما لبسته حين غادرتها إلى موسكو في أواخر الصيف. وعندما وصلت الدار حاولت أن أعتذر عمّا فعلت، مخترعاً أساطير وأكاذيب وحكايات بعضها أكثر غباء وسخفاً من بعض، كي أبرر لأبي تبذيري المال الذي عانى من أجل توفيره لي لشراء المعطف»! لقد أضاع نفسه في متاهات قصص وتبريرات لا نهاية لها، عندها قاطعه والده كما يقول: ـ قف يا رسول.. أريد أن أسألك سؤالين. ـ هل اشتريت المعطف؟ أجاب: لا. ـ هل أنفقت النقود؟ وكان رده: نعم. إذن فقد اتضح كل شيء، فلماذا تتعب نفسك في كل هذه الأقاويل؟ ولماذا تخترع كل هذه المقدمات الطويلة التي عانيت طويلاً من أجل ان تحبكها؟ انك ببساطة يكفيك كلمتان اثنتان لإيضاح ما هو مهم! ويعقب (رسول حمزاتوف): هكذا علّمني أبي. البعض يعلمه والداه هذه الحقيقة، والبعض تعلمه ايّاها الحياة، وبعضنا يعلمه انسان أقرب إلى القلب من دماء القلب.