الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 إذا كانت الآلاف المؤلفة من الوزراء ـ الذين لا يعلم إلا الله عددهم ـ في شتى أنحاء المعمورة قد آوت ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شهر اكتوبر الماضي إلى مضاجعها، وهي تفكر في الطريقة التي تحافظ بها على مناصبها، لتبقى متربعة على تلك الكراسي الوثيرة، متنعمة فيها، متشبثة بها، عن استحقاق وجدارة حينا، وبوسائل أخرى أحياناً، وإذا كان عدد كبير منهم قد عانى ليلتها من الكوابيس نفسها التي يعاني منها كل ليلة وهو يرى الأرض تهتز تحت قدميه فتطيح بالكرسي وتلقي بالجالس عليه في واد سحيق، فإن «ايستيل موريس» التي كانت وزيرة للتعليم في الحكومة البريطانية حتى تلك الليلة قد ذهبت إلى فراشها لتنام قريرة العين مرتاحة البال بعد ان وضعت حداً للمعاناة التي عاشتها على مدى الايام والليالي السابقة، وواجهت نفسها بصراحة وشجاعة فائقتين لتقول لأولئك الذين وضعوا ثقتهم فيها وقلدوها مسئولية واحدة من أهم وزارات الوطن انها ليست أهلا للوظيفة «I am not up to the job». في صبيحة اليوم التالي كانت الوزيرة البريطانية تقدم استقالتها من الوزارة قائلة ان منصبها مهم جداً، ولا يمكن ان يكون الأداء فيه من «المرتبة الثانية» معترفة بأنها فشلت في عملها كوزيرة، ولم تحقق النجاح الذي حققته عندما كانت مسئولة عن مستوى التعليم في المدارس. مكتب رئيس الوزراء البريطاني أعلن ان الوزيرة قد قدمت استقالتها بعدما أقرت بأن وزارتها قد عجزت عن تحقيق أهداف الحكومة بالنسبة للتعليم الاساسي للقراءة والكتابة والرياضيات، وكذلك بسبب النتائج السيئة للاختبارات في السنة النهائية في عموم مدارس المملكة المتحدة في العام الجاري. وكانت موريس قد وعدت بالاستقالة إذا لم تحقق المعايير المطلوبة، وهو ما أسفرت عنه نتائج الاختبارات التي أعلنت، كما وجدت الوزيرة المستقيلة نفسها في خضم أزمة تتعلق بتقديرات اختبارات السنة النهائية في المدارس، مما أدى إلى حرمان المئات من دخول الجامعات التي يفضلونها. وقد وجهت إليها انتقادات بشأن الخلاف الذي ثار حول تصحيح امتحانات شهادة الثانوية العامة البريطانية وتخفيض درجات بعض الطلاب لتفادي الانتقادات بأن الامتحانات كانت أسهل من اللازم. الوزيرة التي اعتبرت أداءها ـ على رأس وزارة يضعها رئيس الحكومة على رأس قائمة أفضليات حكومته ـ لم يكن جيداً بما فيه الكفاية، أثبتت انها جديرة بالاحترام لأكثر من سبب. فهي لم تطلب مهلة تضمن لها البقاء أطول مدة ممكنة على كرسي الوزارة ولم تسع إلى شيء من ذلك، وقد كان بامكانها ان تفعل وان تضع خططاً خمسية وأخرى عشرية ـ وهلمّ جرا ـ لتصحيح المسار، ثم تطلب بعد ذلك منحها الوقت الكافي لتنفيذها، ولكنها لم تلجأ إلى تلك الحيلة، بل نزلت إلى الميدان الذي جاءت منه لتعالج مشاكله وتقول ان التربية السيئة التي يتلقاها الاطفال في البيت هي المسئولة عن ارتفاع معدلات الجرائم التي يرتكبها تلاميذ المدارس في بلدها وعن سوء سلوكهم مؤكدة ان سوء التربية أدى بالاطفال إلى عدم احترام من حولهم، وطلبت الوزيرة من مجالس البلدية في انحاء بريطانيا استعمال سلطتها في ارغام الآباء والامهات الذين يتسمون بالعنف على حضور جلسات تدريبية وإلا فإن عليهم ان يحاكموا ويغرموا، وقالت انها تريد ان يمارس المدرسون مهمتهم في تعليم الاطفال والانضباط، والابتعاد عن العنف متساءلة: «كيف يمكن ان نتوقع ان يحترم الاطفال المدرسين في حين ان الآباء والأمهات لا يفعلون؟» كما قامت الوزيرة بزيادة ميزانية الوزارة لتعيين مرشدين يهتمون بشئون التلاميذ الذين لا يتقدمون في الدراسة بعد ان كشف احصاء ان ذلك يساعدهم كثيراً على تحقيق تقدم ملموس من خلال تغيير نظرتهم للدراسة والحياة. في قصة استقالة الوزيرة حقائق عدة تستحق منا ان نسلط الضوء عليها: أولى هذه الحقائق هي كون المستقيلة وزيرة تعليم.. ووزارة كهذه تبقى محل اهتمام كل فئات المجتمع لأنها وزارة بناء المستقبل، فآثار نجاحها إذا ما نجحت في أداء مهمتها، أو فشلها إذا ما قدر لها الفشل لا تنعكس على الحاضر فقط، وإنما تمتد إلى المستقبل، باعتبارها القائمة على مصانع الاجيال القادمة، وعندما تقول وزيرة التعليم انها «ليست أهلاً للوظيفة» فهي لا تتهم نفسها فقط بالعجز والفشل، وإنما تتهم مناهج التعليم التي هي واحدة من مخرجاتها، أي انها تتهم الماضي والحاضر، وتقرع ألف جرس محذرة من مستقبل لا يبشر بخير معلنة انها لم تنجح رغم كل ما بذلت من جهد مخلص في ان تزرع طريقه بالشموع والقناديل فقررت الانسحاب. أما الحقيقة الثانية فهي ان كل هذا الاهتمام والنشاط والحماس الذي أبدته الوزيرة المستقيلة خلال فترة وزارتها لم يشفع لها وهو في الوقت نفسه لم يجعل الغرور يعرف طريقه إليها، وهي تعلم انها تتولى مسئولية وزارة تلعب دوراً في بناء المستقبل في مجتمعات تعرف أهمية التربية والتعليم وتحلهما المكانة التي يستحقانها، وليست بعيدة عنا الخسارة التي تعرض لها قبل أيام «بيل ماكبرايد» مرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات حاكم ولاية فلوريدا التي جرت مؤخراً في الولايات المتحدة أمام مرشح الحزب الجمهوري «جيب بوش» فقد سبقها تراجع شعبية ماكبرايد التي كانت مرتفعة في كل الاستطلاعات التي أجريت قبل أسبوعين من بدء الانتخابات لأنه تلعثم وتردد في الاجابة عن حجم الانفاق على التعليم في احدى المناظرات التي جرت بينه وبين بوش ففقد حظوته لدى الناخبين ليتقدم عليه منافسه ويفوز بحكم الولاية. أما الحقيقة الأهم فهي فكرة استقالة الوزيرة نفسها التي تطرح مسألة ان يتحلى انسان في هذا الزمن بالشجاعة الكافية كي يغادر كرسي الوزارة طائعاً مختاراً دون ان يرف له جفن أو تدمع له عين. وفي هذه المسألة أيضاً جدير بنا ان ننظر في أسباب الاستقالة التي تجاوزت مسألة الموقف السياسي أو التطلع لمنصب أعلى لتنصب على فكرة المصارحة مع النفس عندما تعترف الوزيرة بعدم أهليتها لتقلد وظيفة على هذا المستوى من الأهمية، وفشلها في ان تكون بمستوى الطموح من حيث الأداء والكفاءة. وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا على التقسيمة المعتادة للعالم، وتصنيف بعضه أولاً وبعضه ثانياً وآخر ثالثاً، فلا بد ان نتفق على عدم جدوى البحث عن وزير من بعض العوالم المتأخرة، ملك الشجاعة الادبية أو غير الادبية ليقف ـ أمام المرآة حتى ـ معترفاً بأنه قد فشل في تحقيق ما هو مطلوب منه وأنه لا يجد في نفسه الكفاءة والقدرة المطلوبتين لادارة عمل من هذا النوع. بل دعونا نكون اكثر واقعية وتواضعاً فنبحث عن مسئول أقل درجة وظيفية من معالي الوزير اعترف بشيء من هذا. في خطاب استقالتها لرئيس الوزراء قالت: «ايستيل موريس» ان ثمة مشاكل في وزارتها الضخمة وإن المصادمات مع وسائل الاعلام حدت بها إلى الاستقالة، ورد رئيس الوزراء البريطاني عليها بقوله: «لا أشك في انك تقومين بعمل ممتاز، كما قلت لك، واني على ثقة تامة بك.. لا أشك على الاطلاق في انك ستعودين إلى الحكومة». تماماً كما لا نشك نحن اطلاقاً في ان كثيراً من أصحابنا لا يقومون بعمل ممتاز، وأنهم لن يغادروا تلك الكراسي طائعين مختارين، وانهم إذا غادروها مرغمين فلن يعودوا إليها. هكذا علمتنا الايام وعلمتهم، إلا إذا استنسخنا وزراء على شاكلة «ايستيل موريس» شريطة ان نبعد عنهم تلك الفيروسات التي تصيب أصحاب الكراسي فتنزرع فيهم وتزرعهم فيها.