الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 إنها مرحلة جديدة. جورج بوش حائر. وموافقة العراق على القرار 1441 لم تزده الا حيرة. لقد ظل الرئيس الاميركي مترددا بين فريقين متناقضين داخل السلطة الاميركية. فبينما تدفع مجموعة «الصقور» المتمثلة في الثلاثي ديك تشيني نائب الرئيس ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع وجون فولفتز نائبه في اتجاه ضرب العراق، تضغط مجموعة الخبراء المهنيين البيروقراطيين من دبلوماسيين وعسكريين واستخباراتيين في الاتجاه المعاكس. والسؤال الجديد الذي اصبح يواجه فريق المتشددين الآن هو: ما هي الذريعة التي يمكن ان يتقدم بها هذا الفريق الى الرئيس بوش بعد ان قطعت بغداد قول كل خطيب بقبولها رسميا قرار مجلس الامن الاخير الذي اتخذ بناء على مبادرة اميركية اصلا؟ في غياب ذريعة منطقية ومقبولة دوليا لشن الحرب على العراق، لم يعد متاحا لفريق الحرب سوى الانتظار والتربص تحينا لفرصة ما. هنا يكمن الخطر المحتمل مما يتطلب من الحكومة العراقية التحلي بأقصى درجات المرونة والصبر والحكمة. قرار مجلس الامن الدولي هو ركلة البداية لاستئناف عملية التفتيش الميداني الدولي للتحقق مما اذا كان العراق مازال يمتلك شيئا من اسلحة الدمار الشامل بمشتقاتها المختلفة، النووية والكيماوية والجرثومية بالاضافة الى الصواريخ ذات الدفع الذاتي. وأول الاختبارات في هذه العملية عبارة عن فخ منصوب. وهنا فإن ثلاثي المرونة والصبر والحكمة لابد ان يدعم بعنصر رابع هو الشفاقية او الصدقية. بموجب هذا لاالبند الاول من عملية التفتيش فإن السلطات العراقية مطالبة باعداد وابراز قائمة مكتملة تبين بالتفصيل ما عسى ان يكون لدى العراق من اسلحة دمار شامل. واذا كان غنيا عن القول ان السلطات العراقية لم تعد بعد عشر سنين متصلة من مرحلة التفتيش السابقة وما اشتملت عليه من تدمير كل ما وقعت عليه ايدي المفتشين من مثل هذه الاسلحة تملك شيئا منها فإنها غالبا ما يتوفر لديها مخزونات من المواد ذات الاستخدام المزدوج. هناك مثلا مركبات كيماوية تصلح لتصنيع غازات سامة فتاكة بقدر ما تصلح لتصنيع ادوية نافعة. ولكي تحرم السلطات العراقية الفريق الاميركي ذات الاجندة الحربية من اي ذريعة محتملة فإن الحكمة تقتضي منها الافصاح عن كل ما لديها من مثل هذه المواد بكل الشفافية الكاملة والتفصيل الشامل. هنا ندرك طبيعة الفخ المنصوب اميركيا. ففريق الحرب في ادارة بوش يأمل ان تخفي السلطات العراقية معلومة او اخرى في هذا الصدد فتكتشف فرق التفتيش لاحقا غياب هذه المعلومة، ومن ثم تقبض واشنطن بحادثة الكشف بأسنانها وتعلن ان العراق يغش ويعرقل فوجب تأديبه بأسلوب الحرب. واجمالا يجب ان نفترض ان الادارة الاميركية لن توفر اي حيلة متاحة لنسف عملية التفتيش من اساسها، لادراكها انه اذا انتهت هذه العملية الى تبرئة العراق من امتلاك اسلحة الدمار الشامل فإن ذلك سيكون ايذانا بدخول المسألة العراقية مرحلة جديدة تالية هي الغاء نظام العقوبات الدولية المفروض على العراق منذ نهاية حرب الخليج في عام 1991. الى اي مدى يمكن ان نثق في لجنة بليكس الدولية للتفتيش وفرق التفتيش التابعة لها؟ لعل من المبكر محاولة الاجابة على هذا السؤال.. ذلك ان لجنة بليكس لجنة جديدة لم تجرب من قبل. ونذكر ان عملية التفتيش في العراق برئاسة الاسترالي وليام بتلر توقفت عند نهاية عام 1998 بأمر من بتلر نفسه كاجراء للحيطة والسلامة بعد ان قرر الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون شن غزو جوي على العراق بموجب عملية «ثعلب الصحراء».