الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 بعد إصدار مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1441، المتضمن إعطاء فرصة للعراق أقصاها 8 فبراير المقبل، وتوجه الكنيست الإسرائيلي نحو إجراء انتخابات مبكرة ستكون في مطلع فبراير المقبل أيضا، يمكن القول بأن الأشهر الثلاثة المتبقية ستكون أشهراً تاريخية وحاسمة في تاريخ المنطقة. والحاصل أنه بغض النظر عن السيناريو المتوقع بشأن العراق، أي بحرب أو بدونها، فإن النظام فيه بعد نظام التفتيش الجديد لن يبقى على حاله. والأرجح، أيضا، أن تداعيات هذا التغيير ستنعكس إن آجلا أو عاجلا على دول المنطقة، ومن ضمنها إسرائيل، التي ستجد نفسها مضطرّة لإدخال تغييرات على سياساتها الداخلية والخارجية، بغض النظر عن رغبتها بذلك من عدمه. على ذلك فإنه ينبغي التخلي عن نزعة تبسيط الأمور، مثلا، في تفسير توجه إسرائيل نحو انتخابات جديدة بالعوامل الداخلية فقط، على أهميتها، فالعوامل الخارجية هنا تضطلع بدور كبير وهي بمثابة ناخب داخلي وحتى أنه مقرر أيضا، ما يعني أنه ينبغي الانتباه بشكل جيد إلى دور الإدارة الأميركية في دفع الأوضاع في إسرائيل نحو التغيير السياسي، لتمهيد الأرضية أمام الخطط الأميركية المبيتة إزاء المنطقة. ومعلوم أن إسرائيل هي من أكثر دول العالم استشعارا باتجاه الرياح الأميركية، وأكثرها تحسّبا لأهمية التساوق معها، بغض النظر عن التعارضات النسبية، والمعنى أن أميركا هي حالة إسرائيلية داخلية، مثلما هي حال إسرائيل في أميركا، برغم من أن حاجة الأولى للثانية هي مصيرية، بالنظر لاعتمادية إسرائيل على الدعم الأميركي في المجالات: الأمنية والاقتصادية والسياسية. وما ينبغي أن يلفت انتباهنا جيدا في هذا المجال أن قيادة حزب العمل التي رفضت مرارا وتكرارا الانسحاب من حكومة شارون، مضحيّة بمكانة حزبها وبصورته وبوحدته الداخلية، حسمت أمرها، في هذه المرحلة الحرجة بالذات، وعمدت إلى تفكيك حكومة الوحدة الوطنية واضعة إسرائيل على عتبة تغيير سياسي. ويمكن تفسير ذلك بأن حزب العمل هذا هو الحزب الإسرائيلي الأقرب تاريخيا للسياسة الأميركية ولدوائر صنع القرار في البيت الأبيض الأميركي، والغرض من هذا الانسحاب هو تهيئة الحلبة السياسية الإسرائيلية كي تكون أكثر ملاءمة لمتطلبات السياسة الأميركية في المنطقة، وأكثر تساوقا مع التغييرات المحتملة فيها، وهذا بالطبع يتطلب، أيضا، ترميم مكانة الحزب على الصعيد الجماهيري وتعزيز وحدته الداخلية وتلميع صورته الخارجية، لتأهيله مجددا ليكون في سدة السلطة أو، على الأقل، ليكون أكثر قدرة على قيادة المعارضة، بما يمكنه من لجم سياسات حكومة إسرائيل المقبلة، في حال استطاع الليكود الفوز في الانتخابات المقبلة. وعلى أية حال فقد شهدت الأشهر القليلة الماضية تجاذبات عديدة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، ففي الموضوع العراقي طالبت الإدارة الأميركية إسرائيل، في لغة عاتبة، ضبط النفس والتوقف عن إطلاق تصريحات تضر بالسياسة الأميركية في المنطقة. وفي الشأن الفلسطيني طلبت الإدارة الأميركية من إسرائيل رفع الحصار عن مقر الرئيس عرفات، وتهدئة الأوضاع في الأراضي المحتلة والتمهيد للانسحاب من المدن الفلسطينية، واللافت، أيضا، أنها لم تمنع، كعادتها، صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي بشأن المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، وطلبت من إسرائيل الإفراج عن الأموال العائدة للسلطة الفلسطينية، كما أنها ضغطت على إسرائيل من أجل عدم عرقلة اجتماع الحكومة الفلسطينية الجديدة في مقر عرفات في رام الله، قبل أيام. والأهم من كل ما تقدم أن الإدارة الأميركية بدت، خلال الفترة الماضية، معنية بخطة «خارطة الطرق» التي أكدت أنها خطة الرئيس بوش، ذاته، ما يعني بأنها لن تسمح لإسرائيل بالتلاعب مع هذه الخطة على طريقة تلاعبها مع تقرير ميتشيل وتوصيات تينيت، مؤكدة أنها تتعامل معها بحزم وجدية، وأنها تشكل نموذجا لرؤيتها للتغيير في المنطقة وشاهدا على مصداقيتها؛ وهذا ما أكدته كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض لمبعوثي شارون. وقد وصل الأمر بالإدارة الأميركية حد رفض الملاحظات الإسرائيلية على الخطة والمتعلقة بالاستيطان. ومعروف أن الإدارة الأميركية شكلت نوعا من لجنة الوصاية على القضية الفلسطينية تتمثل باللجنة الرباعية التي تضم إلى جانبها ممثلي عن روسيا والاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة، وثمة اجتماعات وتقارير ولجان على الأرض لهذه اللجنة وهي تتابع عملها أولا بأول. وتستند خطة «خارطة الطرق» هذه إلى خطاب الرئيس بوش 24/6/2002 وهي تفصّل الوسائل التي تضمن تهدئة الوضع بين الفلسطينيين والإسرائيليين والعودة إلى عملية التسوية وتجميد الاستيطان وإقامة دولة فلسطينية في العام 2005، وهي مسارات تعارضها حكومة شارون ولا تبدو أية حكومة يمينية قادرة على التساوق معها وهذا ما دعا حزب العمل، بين أسباب أخرى، للانسحاب من الحكومة واعداد نفسه كبديل سياسي، كما قدمنا. عموما فإنه في الأيام الماضية حفلت الصحافة الاسرائيلية بالتحليلات التي تؤكد بأن التغيير في المنطقة لن ينحصر في العراق وأن الهدف الثاني لتطبيق قرارات مجلس الامن الدولي هو إسرائيل. كما ضجت الحلبة السياسية الإسرائيلية بالخلافات المتعلقة بخطة «خارطة الطرق» الأميركية التي تشتغل اللجنة الرباعية عليها، إلى الدرجة التي استدعت من شارون أن يطمئن البيت الأبيض إلى أن حكومته ملتزمة بالتعهدات التي قطعتها على نفسها في المجال السياسي. في هذا الإطار نشرت صحيفة هآرتس في عددها الصادر يوم 31/ 10 خبرا مفاده أن شعبة الاستخبارات العسكرية تعتقد انه بعد الحرب ضد العراق ستتفرغ الولايات المتحدة لإحراز تسوية إسرائيلية ـ فلسطينية وان على إسرائيل أن تكون مستعدة لذلك من الآن. وأكد على ذلك المحلل الإسرائيلي ألوف بن، في مقال نشره في هآرتس، يوم 7/11، قال فيه: في المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية يوجد إجماع واسع يقول بأن الاميركيين سيتوجهون من بغداد صوب القدس من اجل التوصل إلى تسوية إسرائيلية ـ فلسطينية..انتصار الاميركيين على صدام بسهولة سيجبرهم على تعويض أصدقائهم في السعودية ومصر لكبح جماح الموجة المناهضة لاميركا في الشارع العربي..الحساب معروف سلفا: إخراج إسرائيل من المناطق وإقامة دولة فلسطينية.. وزراء في الليكود يتوقعون حدوث مجابهة بين إسرائيل والإدارة الاميركية حول مطلب التنازلات والانسحاب الذي سيطرح غداة حرب الخليج.. بوش أوضح لشارون بأن وفاء الفلسطينيين بالجزء المنوط بهم سيتطلب من إسرائيل القيام بخطوات مقابلة. الرسالة التي وصلت من واشنطن تفيد بأن بوش يتعامل مع «خارطة الطرق» بجدية وانه يريد ان يرى الدولة الفلسطينية المؤقتة خلال فترة ولايته. والادارة الاميركية أطلقت ايضا أصواتا معبرة عن عدم الارتياح من المستوطنات. المهم أن إسرائيل تستعد للتغيير، كعادتها، للتساوق مع السياسات الأميركية، ويبقى أن العرب هم أحوج ما يكونون للتغيير ولمراجعة سياساتهم لمواجهة المخاطر المحدقة، ومن ضمنها بالضبط إمكان استغلال إسرائيل للسياسات الأميركية في المنطقة، وعلى ما يفعله أو لا يفعله العرب في الأشهر القليلة المقبلة يتوقف الكثير. ـ كاتب فلسطيني