الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 يقول المناطقة: «عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. بتعبير آخر اقرب الى لغة الصحافة والاعلام، يمكن القول بأن خلو صحيفتنا من الاخبار لا يدل دائما على انعدام الاخبار، بل قد يدل على عدم استطاعة مراسلينا في الوصول الى مصادر الاخبار. ولما كانت الحركة لازمة اساسية من لوازم الحياة، والحركة تولد اثرا تتركه في المكان والزمان المعينين، فإن الدنيا مليئة بالآثار التي لا تعد ولا تحصى في عالم الطبيعة والانسان المتحركين. والاثر ليس سوى عبارة عن الخبر الذي نقوم بنقله عندما يقوم الواحد منا بعرضه على نطاق اوسع من نطاق المكان والزمان المحددين. وتبادل الاخبار يعني فيما يعني تبادل الخبرات وتراكم التجارب مما يفضي بدوره الى انتاج وتوليد علوم جديدة، وحدهم الذين يعجزون عن الحركة ويجهلون قوانين التطور الطبيعي والانساني يخافون الخبر وبالتالي يخافون كل جديد، وقد يكرهون التغيير والتحول ويبدأون لمحاربته ظنا منهم بأنه بدعة او تحريف للواقع الموجود! ومع تعقد الموضوع وتشابكه ودخول عناصر عديدة عليه يبدأون بنسج فكرة «المؤامرة» الموجهة ضدهم او التي تحيط بهم إلا لشيء إلا لانهم لا يريدون ان يروا الا ما اعتادوا على رؤيته واستأنسوا لسماعة منذ زمن، خاصة اذا ما كان ينسجم مع مجموع مصالحهم ومنافعهم الشخصية او الفئوية او الحزبية الحاكمة. ويكبر الموضوع ويتضخم ويصبح اكثر تعقيدا وأكثر خطورة ولكن اكثر شفافية وحساسية ايضا عندما يتعلق الامر بمجتمع بأكمله وببلاد مترامية الاطراف وبعالم متعدد الميول والاتجاهات والنوازع والتطلعات، بعدما يخرج عن حدود الفرد وحتى الجماعة الصغيرة المنعزلة عن حركة المجتمعات البشرية من جهة اخرى فإن الحرية والأمن مقولتان متلازمتان في عالمنا المعاصر لا يمكن لاي بلد او مجتمع او نظام سياسي تقترحه نخبة من صناع القرار في قطر ما ان تمر عليهما مرور الكرام، او تبقي النقاش حولهما محصولا في دائرة مغلقة من الافراد او «الجماعات» المنتمية لطبقة معينة من الناس يطلق عليها بحاشية الحكم لتقرر مفهومها الاجتماعي في عالم اليوم المتداخل من جهة والسريع التحولات من جهة اخرى. من زاوية اخرى فإنه من السهل على اي حاكم ان يحكم الحصار على شعبه وأهله وعشيرته فلا يجعلهم يروا الا ما يرى ولا يسمعون الا ما يسمع، ولا يرضون الا بما يرضى!! لكن هذا الأمر لن يدوم طويلا لانه خلافا للسنن الكونية، وان دام وطال فإنه لابد ان يتحول يوما الى بركان متفجر من الاسئلة والتساؤلات التي لطالما تجمعت في «بطون» الناس ولم تجد لها متنفسا طبيعيا لتساهم في صناعة الامن الجماعي بحرية، والرفاهية المشتركة في جو حيوي سليم. وما يسهل على الحاكم المستبد الذي لا يقبل الا اللون الواحد والبعد الواحد والقراءة الواحدة للأحداث هو وجود تلك الحاشية والبطانة المستأثرة ببعض المنافع والمصالح الآنية، والتي تخصصت في تقديم صورة مخادعة ومزيفة للحاكم عن الشعب وحركة الشعب وتحولاته وتفاعلاته. ولما كان قمع الرأي الآخر ومنعه من الظهور او التبلور هي القاعدة المتبعة لدى هذه الحاشية فإنها ولشدة تشبثها بهذه الطريقة والوسيلة الاسهل لادارة البلاد الى درجة الاعتياد والادمان فانها سرعان ما تبدأ بتصديق تصورها المزعوم عن مجتمعاتها فتقدم تلك الصورة الاحادية والرتيبة عن سعبها وبلدها بمثابة الشعب والبلد المستقر والآمن الخالي من اي صوت مختلف او متسائل ناهيك عن كونه معارضا لرؤية الحاكم او قراءته!! ولشدة ما يحلو لها الامر ويستسيغ مع توجهاتها فإنها تبدأ بتصديقه فعلا، وان بحثت عن غيره سوف لن تجده بالتأكيد لانه يكون قد اختفى وغار عميقا تحت السطح والجلد الظاهري او القشرة الظاهرية للمجتمع بالتأكيد. ولكن في لحظة ما من لحظات التحول التاريخية، وعندما يصبح الامر لا يطاق وتأتي ساعة الحسم، او لحظة المنعطف فإن الحاكم والحاشية سيكتشفان بأن ما كانا يشهدانه في الظاهر من «أمن واستقرار» لم يكن سوى «امن القبور» وفي مجتمع امن القبور لا معنى للحرية بالطبع لان الحرية لا تعني شيئا للأموات! ومجتمع يعيش أمن القبور لا يمكن ان يقدم خدمة للبشرية في أي مجال من مجالات الحياة. في حين ان «الامن الحيوي» المتحرك الذي يقوم على المشاركة الجماعية للأفراد والجماعات، هو الامن القادر فعلا على المساهمة في انتاج كل ما ينفع في مجال خدمة البلاد والعباد بالعلوم والتكنولوجيا والروح والتربية النفسية وكل ما يتعلق بعلم الابدان وكذلك علم الاديان. الاتحاد السوفييتي السابق سقط في امتحان «علم الاحياء» فخسر الحاكم المستبد شعبه رغم نجاحه في علم الصعود الى «السماء» لا لشيء الا لانه كان يؤمن بنظرية «أمن القبور» و«حرية الاموات»! وكذلك فعلت الطالبان في افغانستان رغم انطلاق كل واحد منهما من زاوية ايديولوجية مختلفة عن الآخر. لكنهما جنيا ثمرة واحدة هي الخسران. وحدهم الذين يؤمنون بقدرة الانسان على الابداع والابتكار وايجاد التحول المستمر في عالم الجماد والاحياء طبقا لسنن الله الكونية التي لن تجد لها تبديلا سواء كان «حكم» هذا الانسان باسم العدالة والحرية أو باسم الكمال والسمو الاخلاقي او باسم رب السموات والارضين! وحدهم هؤلاء النوع من الحكام والمحكومين يمكنهم النجاة يوم الحساب ولا اتجاسر هنا لأتحدث عن اليوم الآخر، بل يوم حساب الشعب ومحاسبته. في ايران كما في العراق، وفي البحرين كما في عمان وفي مصر كما في سوريا وفي لبنان بل وفي كل ارض يتحرك فيها الانسان تعيش مجتمعاتنا العربية والاسلامية معركة «حرية الاحياء» مقابل «حرية الاموات». مدرستان لاتتصالحان ولا تلتقيان وان اصطدمتا فإن الخاسر الاول والاخير هو انساننا المسلم الذي يعاني هوة المسافة العميقة التي تفصل بين بلاده وعالم ما حوله من صناع العلوم، علوم الاحياء وعلوم الصعود الى السماء. ووحدها العودة للذات والتمسك بتعاليم الدين الاسلامي الحنيف، صاحب الشريعة السهلة السمحة الحنيفية السمحاء قادرة على ان تقدم قراءة متصالحة بين «علم السماء» و«علم الاحياء» لنا بما يؤهلنا كأمة صالحة للزمان والمكان وذلك غير ممكن وغير عملي الا بطرد منهج التكفير والتفسيق والطرد والعزل لكل من هو مخالف لنا او مختلف معتاد التخلي عن منهج أمن القبور وحرية الأموات لصالح امن الحرية والابداع وحرية كل الحرية للاحياء حتى وان تكلموا ضدنا. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني