الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 ليس ذنب وزراء الخارجية العرب إذا كان البعض منا لا يقرأ الأحداث جيدا، ولا يرصد اتجاه الريح. وليس ذنب الوزراء إذا كان البعض منا مازال قادرا على الحلم وإذا كان البعض منا مازال يراهن على معجزة تنقذ الأمة العربية من واقعها المرير ومن مستقبلها المحفوف بأشد المخاطر. وزراء الخارجية العرب يمثلون دولهم، ولا يخرجون عن سياساتها، وهم حين يجتمعون في رحاب الجامعة العربية «أو في ضريحها» فهم يمثلون النظام العربي في لحظته الراهنة، بكل ما يعانيه من عجز لم تشهد الأمة له مثيلا منذ زمن طويل. وفي هذا الاطار اجتمع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، وحققوا في اجتماعهم نجاحا منقطع النظير في التعبير عن الواقع الرسمي العربي. ووسط دوامة الصراع الذي يعيشه العالم وكارثة الوضع الاقليمي الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لابشع مذبحة نازية على يد اسرائيل المدعومة من اميركا، والذي يستعد فيه شعب العراق لمذبحة أكثر هولاً تصر عليها الإدارة الاميركية رغم معارضة الرأى العام العالمي.. وسط هذا كله اجتمع الوزراء العرب فكان اجتماعهم قمة في التوافق، وكانت مناقشاتهم غاية في الهدوء، وكانت قراراتهم غاية في التعقل! وكان يمكن لكل ذلك أن يكون مبعث سعادة للأمة ومصدر قوة للموقف العربي كله لولا أن التوافق كان مبعثه أن الكل ارتضى بالقضاء والقدر.. الاميركيين، وهدوء المناقشات جاء بعد أن أدرك الجميع أنه لا مكان لكلمة «لا»، والتعقل كان «كلمة السر» التي فهم الجميع معناها بعد صدور قرار مجلس الأمن حول العراق بالإجماع. سيناريو الأحداث يشير إلى أن موعد اجتماع وزراء الخارجية العرب كان محددا بدقة لكي يتم «البصم» بالموافقة على قرار مجلس الأمن. وهكذا مارست الولايات المتحدة كل ضغوطها على فرنسا وروسيا لانتزاع موافقتهما على القرار الخاص بالعراق، وفي نفس الوقت قدمت بعض التنازلات التي تسهل الحصول على هذه الموافقة. وكان أهم التنازلات هي الرضا الاميركي بالعودة لمجلس الأمن في حالة خرق العراق للقرار، وإن كانت الإدارة الاميركية قد سارعت بعد صدور القرار إلى تقديم تفسيرها لذلك بأنه لا يقيد حريتها في توجيه الضربة العسكرية للعراق، وأن مجلس الأمن سيجتمع ـ في حالة عدم امتثال العراق للقرار الدولي ـ لـ «ينظر» في الأمر، ولكن لن يصدر قرارات جديدة، وهو التفسير الذي عارضته باقي الدول أعضاء مجلس الأمن. المهم أن جهود الولايات المتحدة وضغوطها الهائلة نجحت في استصدار القرار بعد ان رفضت أي «تلكؤ» أو مناورات داخل مجلس الأمن، وفرضت موعدا نهائيا لصدور القرار ثم تنفيذه. ومن ناحية أخرى، وبعد أن ضمنت موافقة فرنسا وروسيا على القرار ـ كان إصرارها بعد ذلك أن يصدر القرار بالاجماع، وتعرضت سوريا لمختلف الضغوط والتهديدات حتى رضخت.. وصدر القرار ـ كما أرادت واشنطن ـ بالاجماع بعد ان رفضت الولايات المتحدة مطلب دمشق بتأجيل التصويت على القرار إلى مابعد اجتماع وزراء الخارجية العرب لاستجلاء الموقف العربي. وهكذا صدر القرار، وبالإجماع، ليضع وزراء الخارجية العرب أمام الأمر الواقع، ولعل ذلك كان سيمنحهم الشعور بالارتياح لأنه يسهل مهمتهم، لولا الجليطة الاميركية أو الغطرسة التي جعلت الإدارة الاميركية ترسل للعواصم العربية ـ في الساعات الفاصلة بين صدور قرار مجلس الأمن واجتماع وزراء الخارجية العرب ـ رسائل عاجلة تحدد ماهو المطلوب. ولم يخف السفير الاميركي بالقاهرة وهو يجتمع بأمين عام الجامعة العربية، ووزير الخارجية المصري أمر الرسالة الاميركية.. بل خرج ليعلن أن واشنطن تطلب موقفا عربيا واحدا يؤيد قرار مجلس الأمن ويطلب من العراق الرضوخ للقرار دون قيد أو شرط.. وهو أمر لم يكن أمام العراق منه بد.. سواء بقرار مجلس الجامعة العربية أو بدونه، ولكن الإصرار الاميركي على قرار عربي ـ هو مثل الإصرار على صدور قرار مجلس الأمن بالإجماع ـ خطوة تراها واشنطن ضرورية لتغطية عدوانها المرتقب على العراق الذي سيكون تبريره أنه خرق قرار مجلس الأمن، وخرج على الاجماع الدولي والعربي. وفي نفسس الوقت فهو خطوة لإبراء ذمة النظام العربي حين تقع الكارثة ويتم العدوان فيقال: لقد بذلنا كل جهد، وتوصلنا الى قرار مجلس الأمن الذي منح كل الأطراف ـ بمن فيها العراق ـ فرصة أخيرة، ولكنه أضاعها! وهكذا سارت اجتماعات وزراء الخارجية العرب بهدوء، واستمرت في مودة، وانتهت بمنتهى العقل «!!» وخرجت بيانات الاجتماع لترحب بها اميركا، أما الرأى العام العربي فكان قد فقد الاهتمام و.. الأمل! ولا شك أن السؤال الذي يثور في مواجهة هذه الحالة هو: هل كان الرأى العام العربي يتوقع غير ذلك؟ والاجابة قطعا هي «لا» كبيرة وحاسمة. فالوزراء يمثلون حكومات أعلنت سياساتها، والزمن قد تغير، واميركا غيرت قواعد اللعبة فصار اللعب على المكشوف. ولا أحد يطلب المعجزات في هذا الزمن، ولم يكن أحد بالطبع يتوقع من اجتماع القاهرة ـ في ظل المواقف المعلنة للحكومات العربية ـ أن يعلن التحدي للإدارة الاميركية. بالطبع.. لو كان الحال غير الحال، ولو كانت الإرادة العربية غير مغيبة، ولو كان النظام العربي مازال في دائرة الفعل.. لما كان القرار 1441 قد صدر أصلا، ولكانت واشنطن قد أدركت أن ثمن عدوانها على العرب سيكون باهظا، وأن تدمير بلد عربي سيرافقه تدمير المصالح الاميركية بكاملها في المنطقة. ولو كان الحال غير الحال، والنظام العربي في دائرة الفعل لكانت روسيا وفرنسا قد وجدتا السند لمعارضتها المخططات الاميركية، ولكانت أوروبا قد ترجمت غضبها على الهيمنة الاميركية الى رفض قاطع تؤازر به موقفا عربيا يستحق المؤازرة. ولكننا اكتفينا بمظاهرات أوروبا بديلا عن حركة الجماهير العربية، وطالبنا فرنسا وروسيا بما لم تستطع الدول العربية أن تفعله. بل إن روسيا وفرنسا لو تمسكتا بموقفهما الرافض للعدوان الاميركي على العراق ولقرار مجلس الأمن الذي يمهد له.. لكانتا قد وجدتا نفسيهما في مواجهة دول عربية حولت أرضها الى قواعد للعدوان المرتقب على العراق.. «الشقيق»!! لم يكن أحد يتوقع أن يخرج وزراء الخارجية العرب بغير ماخرجوا به، بل إن وزير الخارجية السعودي سبق الجميع حين أعلن بعد الاجتماع التمهيدي أن الوزراء قد باركوا قبول العراق لقرار مجلس الأمن، ثم خرج الوزراء ـ بمن فيهم الوزير العراقي ـ ليؤكدوا أن العراق لم يقبل بعد. ثم ثبت بعد ذلك أن الوزير السعودي هو الذي كان يعلم بالقرار العراقي. لم يكن متوقعا الا هذه القرارات، ولكن هل كان ممكنا أن يفعل الوزراء العرب شيئا غير ذلك؟ الإجابة هنا تختلف. فـ «الممكن» كثير، لو توفرت الإرادة السياسية وكان هناك الحد الأدنى من الفاعلية في النظام العربي الذي يرفض كل فرصة لإثبات أنه مازال على قيد الحياة. في دائرة «الممكن» كان في استطاعة الوزراء العرب ألا يكتفوا بمطالبة ـ يعرفون مقدما أنها لن تتحقق ـ بزيادة عدد المراقبين العرب في فرق التفتيش. وكانوا يستطيعون ـ بدلا من ذلك ـ أن يعلنوا تشكيل فريق كامل للتفتيش والمتابعة يتم تكوينه من خبراء عرب وأوروبيين وأفارقة، ويتم تشكيله ـ إذا أمكن ـ بالتعاون مع المجلس الأوروبي والاتحاد الافريقي، ويكون له قيادة سياسية من زعماء مشهود لهم لايرتبطون بمسئوليات في بلادهم مثل الزعيم الافريقي مانديلا. كان ـ ومازال ـ في استطاعة مثل هذا الفريق أن يكون شاهدا عادلا يقرر حقيقة الموقف في العراق، ويبطل الألاعيب التي ستلجأ إليها اميركا ـ عبر فرق التفتيش الدولية ـ لاستفزاز العراق أو لإثبات انتهاكه لقرارات مجلس الأمن ولو بالتزييف والاختلاق. وكان في استطاعة الوزراء العرب ـ لو أذنت لهم حكوماتهم ـ أن يوقفوا هذه الفضيحة العلنية التي نعايشها كل يوم واميركا تعلن أن ثلث الشقيقة الكويت منطقة محظورة لغير الاميركيين الذين يتدربون على غزو العراق، وان الامدادات تتواصل على قاعدة «العديد» التي انتقلت إليها القيادة العسكرية المركزية الاميركية لقيادة الحرب المقبلة ضد العراق.. وغير العراق!! كان في استطاعة الوزراء العرب ـ لو أذنت لهم حكوماتهم ـ أن يستعيدوا شيئا من المصداقية للنظام العربي اذا خلصونا من هذه الفضيحة اليومية، وأعلنوا أن قبول العراق بقرارات الأمم المتحدة ـ بما فيها القرار الأخير رغم فساده وانحيازه ـ يبطل أي دعاوى للحرب، ويفتح الباب على مصراعيه لتسوية ما تبقى من مشاكل حرب الخليج الثانية التي انتهت بتحرير الكويت ولا يمكن استكمالها بتدمير العراق. ومن هنا فقد كان في استطاعة الوزراء العرب أن يؤكدوا ـ في ظل القبول العراقي ـ أن أي عدوان خارجي مرفوض، وأن العراق لا يمثل تهديدا لأحد منهم، وبالتالي فإن الدول العربية لن تكون طرفا في أي تحالف تقيمه اميركا للعدوان على العراق، وأن الأرض العربية لن تكون بأي حال قاعدة لهذا العدوان المرتقب. وأن على الولايات المتحدة ـ إذا قررت الاستمرار في مخططاتها العدوانية ـ أن تبحث لقواتها عن قواعد في غير الأرض العربية، وأن تدرك ان عدواناً على قطر عربي هو عدوان على كل العرب. وقبل ذلك وبعده، وفي حدود الممكن أيضا، كان على الوزراء العرب أن يعلنوا أن الموافقة على قرار مجلس الأمن بشأن العراق لا يمكن أن تعني اعطاء «كارت بلانش» للولايات المتحدة لكي تضرب العراق، وأن التفسير الاميركي للقرار لا يمكن القبول به.. حيث تصر اميركا على ان القرار يعطيها هذا الحق في حالة ما قرر فريق التفتيش ثبوت أي خرق عراقي، وأن الرجوع لمجلس الأمن في هذه الحالة هو «للنظر» فقط، وأن من حق اميركا ـ كما يزعم أركان إدارة بوش- أن تتصرف وحدها. في حدود الممكن، كان لابد من إعلان الرفض التام لهذا التفسير الاميركي، واعتبار أي تصرف عدواني اميركي في هذه الحالة خروجا على القانون الدولي. بل إن الوزراء العرب ـ وفي حدود الممكن أيضا ـ كان عليهم أن يطلبوا توفير الجو المناسب للقيام بعملية التفتيش دون استفزاز، وفي هذا الاطار فعلى الولايات المتحدة أن توقف تحركاتها العسكرية على حدود العراق، وأن تمتنع عن اختراق الأجواء العراقية حتى انتهاء فرق التفتيش من مهمتها. وبدلا من ذلك، كان اجتماع وزراء الخارجية العرب ترجمة أمينة لواقع النظام العربي. وهكذا اجتمع الوزراء فتبادلوا التهاني بحلول شهر رمضان الكريم، ثم أنجزوا المهمة المطلوبة وأصدروا القرار الذي كان قد أعلنه السفير الاميركي بالقاهرة مسبقا، وتباروا في إسباغ الحكمة على تصويت سوريا في مجلس الأمن بالموافقة على القرار «1441» ليكون ذلك مدخلهم في الجامعة للتصويت الإجماعي بالموافقة على القرار، ثم تناول الوزراء طعام الافطار على ضفاف النيل، وعادوا الى بلادهم لتفاجئهم ـ أو لا تفاجئهم ـ تصريحات الإدارة الاميركية بتصعيد الموقف ضد العراق واعتبار قرار مجلس الأمن مجرد خطوة على طريق الضربة الاميركية القادمة لتدمير العراق واحتلال أراضيه. أما جماهير الأمة المغلوبة على أمرها فلم يفاجئها شيء من ذلك. فهي تعلم أن الحشود العسكرية الاميركية التي ترابط على أرض العرب لم تذهب للنزهة بل لاستكمال احتلال المنطقة بكاملها. وهي تدرك أن الضربة القادمة والكارثة ستحل، والعجز العربي في مواجهتها فاق كل تصور. المفاجأة الحقيقية أن هناك طلبا جديدا باجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب يعقد خلال أيام.. واللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه!! ـ نائب رئيس تحرير اخبار اليوم المصرية