الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 حين تختفي القدوة الحسنة من حياة الشباب يصبح من الطبيعي ان يتواضع سقف الشروط والمواصفات للاشخاص الذين يتعلق بهم شباب اليوم، ويمنحونهم عاطفتهم واهتمامهم، ويرونهم الصورة المثلى للنجاح والتميز المهني!! ولم يعد من الغريب ازاء هذه الحالة المتردية التي غاب فيها ظهور القدوة الصحيحة ان نسمع من تردد بأعلى صوتها انها تميل ميلاً شديداً لتقليد احدى الشهيرات ممن خطفن الشاشة الفضية، وامتلكن مساحة هائلة من الحضور الاعلامي الهائل الذي صورها واشباهها من الفارغات وكأنهن النموذج الاحدث الذي اذا امكن استنساخه فإن طاقة من النجاح الكبير سوف تتسرب الى حياة تلك الفئة من الفتيات لتضعهن في اعلى السلم الاجتماعي حيث تتحقق احلامهن وينلن النفوذ والشهرة التي تهفو نفوسهن اليها!! ومن المرارة ان ترى طوابير من المشتغلين بالاعلام وقد صارت اخبار اهل الفن والغناء هي المادة المفضلة لديهم، حيث يتنافس المعدون ومقدمو البرامج على استضافة عدد من رموزهم وكأنه ليس هناك اسماء جديرة بأن توجه اليها الدعوة في تلك البرامج الحوارية التي اصبحت حكراً على اصحاب تلك المهنة!! والغريب ان الاحتفاء بالنماذج الفنية اصبح عرفاً سائداً لدى القائمين على الشأن الاعلامي دون ان يكون هناك معيار لقياس حجم هذا الضيف او ذاك، وتحديد مدى الفائدة التي حققها للجمهور خلال مشواره الفني!! ولقد كان حرياً بأهل الاعلام ان يستقطبوا الرموز الواعية التي لديها اتصال حقيقي بأهداف الجمهور، والتي لديها انتماء صادق الى مجتمعها والى قضاياه العامة والتي تحمل رؤية واقعية حول افضل الطرق والممارسات لفهم الحياة، واختيار المناسب من الافكار والاتجاهات. ان من المحزن حقاً ان ندرة قليلة من المشتغلين بقضايا الاعلام هم الذين فهموا ان رسالتهم الحقيقية هي توصيل المشاهد بالنخب الجيدة، بعد ان عرفوا ان الوقت لم يعد يتسع للمزيد من الهدر من الموارد البشرية التي تم العبث بعقول فئة منها، تركت زمناً طويلاً تقتات على المائدة الاعلامية الباردة التي اغلب اصنافها مرة المذاق وعديمة الفائدة!! ولو كان هناك عقول يعنيها أمر تحسين ادائها الاعلامي، ولديها قدر من الاخلاص للرسالة الاعلامية المسئولة لهرولوا الى استقطاب الكفاءات العلمية والثقافية التي لديها القدرة على التعبير عن افكارها واهدافها بسلاسة يتقبلها السامع، وبمنطق يقنع المتشكك والحائر، اذ من شأن الاصغاء الى تجارب اهل الخبرة والاختصاص في ميادين الحياة المختلفة ان يفتح امام المشاهد افاقاً جديدة للتفكير الجاد لم يكن له بها عهد من قبل. كما أن الاستمرار في عرض سير حياتهم، وابراز ما حققوه من سبق في ميادين تخصصهم هو دعاية وترويج لمفاهيم اكثر تطوراً، واقدر على صيانة عقل المشاهد، وحمايته من قبول ما لا يليق من الافكار والاتجاهات!! وعليه، فإن اهمال وسائل الاعلام في استقطاب النخب الجادة هو جناية كبرى في حق الجمهور العادي الذي ليس لديه ثقافة حقيقية تمنعه من الانزلاق وراء الدعوات الرخيصة التي يرددها بعض المنتسبين الى الفن!! وهو زلة قاتلة جرفت في طريقها مستقبل شباب عرفوا مئات الاغاني لعشرات المغنيين ولم يعرفوا اسم علم واحد من اعلام هذه الامة القدماء منهم او المعاصرين!! فأين هم رموزنا يا اهل الاعلام، ولماذا انتم عنهم غافلون؟! ولماذا هذا الاصرار على ان تقلصوا البدائل المتاحة امام المشاهد البسيط، لتحصروه في زاوية معتمة ليس فيها شعلة من الضوء، وأغلب من فيها فاقدو الشعور بالانتماء الى قضية واقعية ليست من نسج خيال كاتب وانما من صنع الحياة التي تبحث عن رواد يعيدوا اليها شيئاً من ألقها المفقود!!