الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 الاطار العراقي لاخراج القبول بالقرار الدولي 1441 ينمّ عن كفر في بداية القضية. كل الرهانات المتفائلة بامكانية كسب المعركة الجديدة مع المفتشين سقطت يوم ابلغت بغداد الامم المتحدة قبولها غير المشروط لمهمة المفتشين المرتقبة. مفصل الازمة يتضح في الاسلوب الذي استهلت به القيادة العراقية ادارة المعركة. الاصل في اللعبة السياسية اظهار اي قرار رسمي بأنه انحياز من القيادة الى القاعدة او تعبير عن ارادتها ورغباتها. كل نظام يحرص على اداء هذه اللعبة بمهارة فائقة حسب قدراته والقواعد التي يتبعها او يتبناها في الملعب السياسي. المفارقة في الاداء العراقي ان قرار القيادة جاء مناقضاً تماماً لرغبة جماهيره، البرلمان اجمع على رفض القرار الدولي. كل الانظمة الليبرالية والشمولية تتفق على ان البرلمان ـ حين يكون ـ هو مجمع ارادة الشعب والمعبر عن رغباته. ممثلو الشعب العراقي اعلنوا امام الملأ رفضهم للقرار 1441. وحده عدي صدام الذي اقترح قبول القرار. في فصل نادر وغير مسبوق تجاهل النواب العراقيون اقتراح ابن القائد الملهم والمعلم واستمسكوا برفضهم. لكن البرلمان افسح حيزاً امام القيادة لتقول قولها الفصل. كالعادة اكدت القيادة العراقية معينها الذي لا ينضب على الاحتفاظ بمفاجآت الفرصة الاخيرة فأبلغت الامين العام للمنظمة الدولية قبولاً غير مشروط بمهمة المفتشين. أيهما كان اكثر جدوى للقيادة العراقية وبرلمانها وشعبها؟ صدور القبول من البرلمان أو من القيادة؟ ايهما كان امضى اقناعاً؟ التصادم بين القيادة والبرلمان أم انسجامهما؟ أيهما كان اكثر ذكاء؟ انحياز القيادة للبرلمان ام التمرد عليه؟ أيهما كان أجمل صورة للعراق امام العالم؟ اثبات كلمة نواب الشعب أم اظهار نفاذ بصيرة ابن الرئيس؟ المسرحية في مجملها تشوه صورة النظام ولا تجمله. الدعوة للجلسة البرلمانية الاستثنائية لم تكن خياراً صائباً اذ انها صبت في الاتجاه المعاكس. مفصل الازمة ان هذا التوجه يشكل ضربة البداية في معركة شرسة بكل المعايير السياسية والعسكرية. هذا الاستهلال يعكس ان النظام العراقي لم يستوعب ابعاد المعركة المرتقبة. اقتصار القضية على مسألة أسلحة الدمار يمثل اجتزاء للازمة والمعركة. ما من عراقي يأخذ على محمل الجد ان اميركا تستهدف فقط مستودعات السلاح العراقي بكنس المحرم منه او اثبات خلوها منها. من الاتهامات التي تدفع بها ادارة بوش النظام العراقي وتعمل على ترويجها شبهة الديكاتورية. من المؤكد ان الاسلوب الذي اخرجت فيه القيادة العراقية قبول القرار 1441 لا يدرأ عنها تلك الشبهة ان لم يثبتها. المؤسف انه ليس ثمة حكمة أو ضرورة تقتضي ذلك الاخراج. مثل هذه الممارسات التي قد تبدو صغيرة تفضي حتما الى الهاوية. ضربة البداية على هذا النحو تعكس العقلية التي ستقبل بها القيادة العراقية على ادارة معركة تستوجب استثمار كل المهارات من اجل هزيمة الطرف الآخر. الطريق السليم يبدأ باجهاض كل الفرص التي يمكن ان يستثمرها العدو وهو مسلح بقدرات هائلة لكشف مواطن الضعف على كل الجبهات. من المهم للنظام العراقي ان يبدو مواكبا لكل الاحتمالات ومتسلحاً باليقظة الاعلامية على النسق الذي يفتح عيونه على المفتشين في ذهابهم وايابهم. المعركة الاعلامية تشكل محوراً بالغ الاهمية في المواجهة العراقية الاميركية، لم يعد مطلوبا التركيز على دور البطل الفرد في هذه المعركة. ربما من المفترض في الحالة العراقية على وجه الدقة السعي لتقديم الاداء الجماعي على كل الجبهات فمن شأن تعزيز النسيج الشعبي بناء مصد اكثر قابلية للصمود خاصة في مواجهة العدو الخارجي. من المؤكد ان النظام العراقي لا يحتاج للتذكير بأن الحملة الاميركية البريطانية ـ بوش وتابعه بلير ـ تستهدف رأس النظام وجذوره.