الاحد 12 رمضان 1423 هـ الموافق 17 نوفمبر 2002 العالم العربي بحاجة الى روح جديدة تنطلق من إسار الانظمة التي تتحكم في الحريات التي يجب ان تسود مجتمعاته، اذا اراد ان يتحدى الدول التي تشعر بأنها تضغط عليه في أبسط اوجه الحياة وأعقدها من التراث الذي يريد التخلي عنه الى السياسة التي تدار بها المسارات الخارجية لحكوماته. ان مشاريع التنمية الشاملة تصاب بالخلل ثم بالفشل الذريع لأن مساحة الشفافية المتاحة والمتداولة تقل عن بوصة واحدة من المساحة الاجمالية للمجتمعات المتقدمة في الشرق قبل الغرب. فعلى المستوى السياسي، فإن الحديث الحر عن اوضاع الوطن العربي الكبير تسوده ادخنة سوداء من الحساسيات الجانبية، فالحديث عن دولة ما لا يمر بسلام وقد يتم بذلك تبادل الاتهامات التي لا علاقة لها بالكيد والخصومة التي قد تطول في عالمنا لسنوات طويلة لا تنتهي الا بعد زيارات ومجاملات سرعان ما تعود الامور الى سابق عهدها من القطيعة والانفصام. حتى لدى الكتاب، فإن الاشارة الى دولة عربية مجهولة بالضمير المعروف في اللغة العربية، لا يمكن لها ان تأخذ طريقها الى النشر حتى يتم التعرف على هوية الدولة المعنية، مع ان اخبارها بالتفاصيل المملة تنشر في كبرى الصحف العالمية ومنها صحف العدو الاسرائيلي، اما نحن فلا نملك حق النقد او التعرض لها لأنها تخالف بذلك سياسة الدولة الخارجية تجاه الدول الاخرى، ترى من يملك حق الفصل في الحكم على هذه القضية الشائكة في اتجاه تنمية الحريات قبل البدء بالمشروعات. اما على المستوى الاجتماعي فإن المجتمع العربي يعاني من مشاكل متشابهة احياناً في التفاصيل والمواضيع، فالعنوسة على سبيل المثال خيط مشترك ونمو العزوبية عند تأخر سن الزواج لدى الشاب والفتاة تشكل معاناة تأخذ من حيوية الامة الشيء الكثير ومع ذلك لا نستطيع التحدث عنها بحرية حتى لا يقال بأننا تجاوزنا ما تعارف عليه القوم بأن اهل مكة ادرى بشعابها المرجانية التي على حبال الغسيل في معظم وسائل الاعلام. وهكذا لو تناولنا شئون الامة جزءاً جزءاً، فإننا نقع في مطبات نحن في غنى عنها، لأن المحظورات غير المرئية اكثر من الخطوط الحمراء الواضحة لكل من يعالج قضايا الشأن العام للأمة العربية التي بحاجة شديدة الى نقد للذات أكثر من جلد الذات كما عبر عن ذلك الأمين العام للجامعة العربية في آخر خطبه. من اين لنا ممارسة هذا السلوك تجاه التردي الذي تمر به الامة في اخص خصوصياتها بذوبان مقدساتها بين اصابع الصهيونية التي تستخدم النقد سلاحاً هاماً لتعديل مساراتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية للوصول الى مزيد من التحكم في الايقاع بيننا. تنمية الحريات في العالم العربي لا تقل اهمية ان لم تفقها من وضع المشاريع المادية في كفة واحدة من ميزان للعدالة التي لا يستقيم وضعها الا بممارسة الحرية في ابهى صورها النقدية لصالح العرب في كل مكان، وبغير هذا، لن تستطيع مشاريع التنمية المضي قدماً حتى تتعثر من جديد قبل الوصول الى مرحلة التمام، فالحريات ضامنة للنجاح المؤكد لكل مشاريعنا، فهل تعي الانظمة اهمية تنميتها قبل الفوت.