السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 قضية العراق ليست جديدة، وحصار العراق لم يحدث منذ عشر سنوات فقط، ومن يقرأ التاريخ يعلم ان العراق قد عانى من أنظمته السياسية وتناقضاته الداخلية طوال تاريخه، برغم كل الحضارة والتاريخ الاسطوري الذي خلفه حكام العراق وملوكه على امتداد القرون، ذلك ان الحضارة والنهضة لا تزدهر الا في ظل حكام طغاة أقوياء.. لكن الطغيان كما يجيد بناء الامبراطوريات ويرسم عظمتها، فإنه يدوس اول ما يدوس على رقاب الناس والشعوب ليراكم من جماجمهم وجثثهم ابراج مجده وعنفوانه، وهكذا كان تاريخ الحضارات العظمى، وهكذا كان تاريخ العراق! العراق محاصر منذ غزاه هولاكو، ومرصود منذ كانت مدنه عواصم مزدهرة خلال حكم الآشوريين والبابليين والعباسيين ومحسود منذ صارت بغداد عاصمة الخلافة الاسلامية، ومنطلق الفتوحات ومركز العلم والعلماء والشعر والشعراء والكتب والمكتبات، ومنذ عرف بالدليل القاطع انه يحوي في ارضه ثاني اكبر احتياطي للنفط في العالم، العراق محاصر بالاحقاد وبالنعم، ولكنه مبتلى بالخلافات وجور السلاطين والحكام وصمت الشعوب ايضاً! نحن اليوم نتعامل مع العراق كحالة عاطفية لا اكثر، نفرح اذا قال لنا المحللون السياسيون بأن شبح الحرب ضده قد صار بعيداً، ونثور ونقلق حينما يتمادى الرئيس بوش في تصميمه على ضربه وانتزاع اسلحته بالقوة والاذلال، وننتظر بتوتر نتائج اجتماعات مجلس الامن بشأن قرار «الرحمة» الذي سيجنبه جنون الولايات المتحدة المتعطشة للحرب، ونبدي ارتياحاً وترحيباً لقبوله غير المشروط بقرار الفرصة الاخيرة وعودة المفتشين، ويصبح القرار 1441 وكأنه انتصارنا وحمايتنا ومخرج العراق من كل مآسيه ومصائبه وخرابه!! هكذا من حالة نفسية عاطفية لاخرى ينتقل مؤشر التعامل في داخلنا مع العراق صعوداً وهبوطاً بينما نجلس على مقاعدنا دون حراك، في الوقت الذي يملأ فيه الانجليز والايطاليون وغيرهم الشوارع مطالبين بوقف اي محاولة لضرب العراق او الاعتداء عليه. عندما تحول العراق في نهاية المطاف الى حالة نفسية مرضية تماما كما تحولت فلسطين كعقدة ذنب يحاول الجميع التكفير عنها ببعض التبرعات اكثر مما يحاول المعنيون بالقرار والسلطة ان يضعوا حلا للقضية وحداً للمأساة. كلنا نتعامل مع الحالة العراقية بشكل عاطفي بحت، والأسباب معروفة، فأولاً تفرض الحالة علينا اعتبارات الدين والدم والعروبة والتاريخ، وثانيا نتعاطف مع العراق لاننا ندرك بوعي تام أنه مرآتنا ومصيرنا وواقعنا، ولان ما يصيبه وما قد يصيبه مستقبلا سينعكس علينا، وبأنه اذا ما كانت بداية الضربة الأميركية منه، فان نهايتها ستكون عندنا، لكن هذا التعاطف الطبيعي يجب الا يتجاوز حدوده، وان يقف بنا وبالشعب العراقي عند منعطف المساءلة الواقعية لحقيقة الوضع في العراق وللوضع بشكل عام في سائر الوطن العربي. تعاطفنا مع العراق يجب ان يتم بمعزل كامل عن النظام والسلطة، فما يعانيه هذا البلد ليس سوى نتيجة حتمية لممارسات نظامه التي يعرفها الجميع بعيداً عن المجاملات ومحاولات التجميل والنسيان، ولذلك فالتعاطي العاطفي بعيداً عن المراجعة الواعية لن تفيد احداً، ولن تغير من الواقع شيئاً، والواقع سيء ومشوه جداً ويحتاج الى تغيير جذري من الداخل وليس من الخارج، حيث الاعتماد على الخارج ليس سوى دليل واضح على عدم نضجنا ومقدرتنا على حسم امورنا وتقرير مصيرنا. ان معنى الانسياق العاطفي وراء التغيير اعتمادا على الخارج معناه بأننا شعوب لم تصل إلى سن الرشد بعد، فكيف يحق لها ان تتباهى بالتاريخ والحضارة كل يوم؟!