السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 بينما كان ممثلون عن منظمتي «فتح» و«حماس» الفلسطينيتين يضعون اللمسات النهائية على بيان مشترك لاختتام اجتماع لهما في مكان ما في مصر حدثت واقعتان متناقضتان في الارض الفلسطينية. من ناحية كانت دبابات العدو تجتاح نابلس وصواريخه تدك غزة. ومن ناحية اخرى كان القائد السابق لجهاز الامن الوقائي الفلسطيني جبريل الرجوب يسفه العمليات الاستشهادية ويحقر من شأن «حماس» وأسلوبها النضالي. هذه الصورة بعناصرها الرئيسية الثلاثة، تعكس لنا احدى السلبيات العظمى التي تواجه مسيرة الكفاح الفلسطيني. فبينما تتعامل سلطة الاحتلال مع جماهير الشعب الشقيق بأقصى درجات القسوة الوحشية ولا تفرق بين معتدل او متطرف، ولا حتى بين رجل او امرأة او طفل او رضيع، وبينما تبذل كوادر المقاومة المسلحة بفصائلها المتعددة كل ما هو متاح لها من ادوات الجهاد بما في ذلك التضحية بالذات، نجد هناك من ينأون بأنفسهم عن الميدان ايثارا للسلامة.. ومن ثم يمارسون عن بعد عادة التشكيك في النضال والمناضلين. لقد عقد الاجتماع بين ممثلي «فتح» و«حماس» في اعقاب زوبعة اثارها قياديو «فتح» بشأن العمليات الاستشهادية اعتراضا واستنكارا. ومن الواضح ان هؤلاء القياديين كانوا يتحدثون بلسان الرئيس عرفات والسلطة الفلسطينية، ورغم ان الاجتماع انتهى الى بيان مشترك اتفقت فيه المنظمتان على «بحث واتخاذ كافة التدابير اللازمة لوقف عدوان قوات الاحتلال الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني». الا ان دوافع «فتح» ومن ورائها السلطة الفلسطينية تبقى غريبة ومريبة. فهي في بعض الاحيان تعلن ان اعتراضها على العمل الاستشهادي ينحصر في العمليات التي تطال مدنيين اسرائيليين.. وفي احيان اخرى تعلن انها ضد اي عمليات تشن داخل اسرائيل على الاطلاق.. وفي اغلب الاحيان يقول قادة من «فتح» انهم ضد العمل الاستشهادي» من حيث المبدأ سواء استهدف اهدافا مدنية او عسكرية اسرائيلية. ولا تتوقف الريبة عند هذا الحد فقادة «فتح» يحتجون لدى قادة «حماس» لكنهم لا يحتجون لدى قادة الفصائل المسلحة الاخرى عندما تقوم ايضا بعمليات استشهادية.. علما ان من بين هذه الفصائل المسلحة فصيل «كتائب الاقصى» المفترض ان يكون الذراع العسكرية لتنظيم «فتح» نفسه. ان جبريل الرجوب احد قيادات «فتح» وفي حديث ادلى به لوكالة «رويترز» للاخبار في مدينة رام الله اثناء انعقاد اجتماع «فتح» و«حماس» في مصر شن هجوما كاسحا على «حماس» وقيادتها. وكان هذا غريبا فمناسبة الهجوم كانت حادثة الهجوم الفلسطيني على مزرعة يهودية سقط فيها خمسة قتلى اسرائيليين. ووجه الغرابة ان هذه العملية لم تقم بها «حماس» وانما قامت بها «كتائب الاقصى». لقد اتكأ الرجوب على هذه الحادثة ليوجه هجوما الى «حماس» وكأنه ظل يتحين اي فرصة للنيل من هذا التنظيم الاسلامي الجسور انطلاقا من حقد دفين راسخ. قال الرجوب: «ان حماس تكون مخطئة اذا اعتقدت انها قادرة على فرض اجندتها السياسية على الشعب الفلسطيني»، وقال: «ان فتح والسلطة لن تتنازلا عن مبدأ وحدانية السلطة وضبط الايقاع السياسي». ان ما يستخلص من الهجوم غير المبرر لجبريل الرجوب على حركة «حماس» مما ينسحب ايضا على شقيقتها «الجهاد» مع التركيز على «شرعية السلطة الفلسطينية» يعكس خط تفكير قيادة السلطة وطبيعة هذا الخط. فهذا الخط التفكيري لا ينطلق بحال من الاحوال من ضرورات ومتطلبات العمل النضالي ضد الاحتلال الاسرائيلي وانما من دوافع ذاتية يائسة لفرض هيمنة سلطوية على «حماس» نابعة من خوف متعاظم من تنامي شعبية هذا التنظيم الاسلامي بين جماهير الشعب الفلسطيني بمختلف فئاتها. وأقول انها دوافع «يائسة» لان السلطة الفلسطينية تدرك اكثر من غيرها انها لم تعد الا اسما او في افضل الاحوال اطلال كيان سلطوي من اثر الضربات القاصمة المتتالية التي وجهها اليها ارييل شارون. قيادة السلطة الفلسطينية تسعى اذن سعيا يائسا الى استرداد قوتها لكنه سعي في الاتجاه الخطأ فعوضا عن دخولها غمار المواجهة المسلحة ضد قوات شارون لتستعيد بذلك ثقة الشعب الفلسطيني فانها فيما يبدو قررت اتخاذ الطريق السهل ـ اي توجيه غضبها نحو «حماس». لكن هل هو طريق سهل فعلا؟ ان ما تبقى لدى السلطة الفلسطينية من قوات أمنية مهلهلة النسج لن يكون ندا لقوات «حماس». لكن ماذا تستفيد «حماس» من اندلاع حرب أهلية على حساب النضال ضد الاحتلال؟ هكذا يفكر قادة «حماس» وهو تفكير يختلف جوهريا عن طريقة تفكير قيادة السلطة. وفي الحقيقة ان العناصر القيادية في السلطة الفلسطينية وتنظيمها العتيق «فتح» قد تجاوزت تاريخ صلاحيتها، فمع تصاعد وتيرة النضال المسلح الذي يمثل العمل الاستشهادي أعلى ذراه يتضاءل يوما بعد يوم نهج المناورات التقليدي الذي ظل يمارسه لمدى عقود متصلة رجال لا يحركهم سوى الطموح الذاتي الانحرافي الذي لا يستهوى اصحابه سوى اساليب الفساد.