السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 تطورت الاستراتيجية الاميركية من سياسة العزلة والتي سادت وعبر عنها الرئيس مونرو برسم خريطة الولايات المتحدة وحولها أسلاك شائكة وأمامها شعار نحن نرحب بالزائرين ما دام ليس معهم بنادق. ثم تطورت بعد ذلك بالمشاركة في صياغة النظام الدولي والتي وضحت بنهاية الحرب العالمية الثانية، وفي نهاية الخمسينيات بنظرية ملء الفراغ التي طبقت بعد حرب 1956 في منطقة الشرق الأوسط إثر تراجع الدور البريطاني والفرنسي في المنطقة. ونشطت الولايات المتحدة الاميركية في استراتيجية الأحلاف العسكرية لحصر النفوذ السوفييتي ومواجهته، الذي كان قد تدعم في أوروبا الشرقية وبعض بلدان العالم الثالث الرافعة لشعارات حركة التحرر العالمي. ثم انتقلت اميركا الى أسلوب الحرب الباردة في مواجهة المعسكر الشرقي، والتي استمرت حتى سقوط الاتحاد السوفييتي، وشملت تقريبا كل مناطق الصراع في العالم بين القطبين. وقد تميزت تلك الاستراتيجية بسياسة الردع والاحتواء. وأخذت اميركا بعد نهاية الحرب الباردة في بناء تصميم لنظام دولي جديد، بعدما وضح للجميع أن اميركا في موقع قوة لا ينازع، حيث تشير أكثر التقارير الاستراتيجية الى أن الولايات المتحدة سوف تظل تتربع وحدها على قمة النظام العالمي لمدة عقود قادمة من الزمان معتمدة على ريادتها التكنولوجية وحجم انتاجها البالغ 25% من الناتج القومي العالمي، وحصتها البالغة 20% من حجم التجارة العالمية، ومحورية دورها في تسوية المشكلات الاقليمية. ومن هنا فمن واجب اميركا أن تستخدم ذلك النفوذ، وتوظف تلك القوة لتحقيق مصالحها وللحفاظ على أمنها، الا أن ذلك يستوجب من وجهة نظر الخبراء والمخططين الاستراتيجيين الاميركيين أن تكون الولايات المتحدة الاميركية صاحبة مبادرة في مواجهة المخاطر البازغة ومشاريع التهديد. وبالذات بعدما حدد الخبراء الخطر في التفاعل الخطر بين أيديولوجيات ما قبل الحداثة «الايديولوجية الاسلامية والقومية» وبين التكنولوجيا الحديثة وفصل الخبراء أكثر كما قاموا بتحديد دقيق بين الارهاب والتكنولوجيا، وكان ذلك كله قبل وقوع صواعق النار على الولايات المتحدة في سبتمبر 2001. عودة للوراء والمتابع الدقيق لتطور الاستراتيجية الاميركية كان قد لاحظ أن هناك استراتيجيات وسياسات قد رسمت صورة لشكل التحدي القادم على أمن ومصالح اميركا بعدما انتهى بوش الكبير بنجاح في حرب الخليج الثانية من تأميم مصادر النفط في الخليج العربي، وعزل ذلك عن الصراع العربي الاسرائيلي، ومن بعده كانت حرب البلقان والتي جاءت لكي تكون تدخلا سافرا من الولايات المتحدة في سيادة دولة يوغسلافيا «رغم أن بعض الصرب قد فرحوا لذلك». بعد ذلك توصل المسئولون عن صنع القرار الاستراتيجي في نهاية ادارة كلينتون عام 2000 وبداية ادارة بوش 2001 الى وضع ملامح وتفاصيل التوجه الرئاسي والذي اعتمده كلينتون ومن بعده بوش الابن. وقد جاء في أحد التقارير التي مهدت للتوجيه الرئاسي ما يلي: «بعد انتهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفييتي، فان المسرح العالمي شهد بعضا من الدول الصغيرة المارقة جربت أن تملأ فراغات أو فجوات نشأت أو ظهرت مع نهاية الحرب الباردة لكن ساعة الذروة من هذه المرحلة فاتت». وفي خلاصة موجزة لتقدير الموقف الذي قدمه «ويليام كوهين» وأقره الرئيس كلينتون، ثم عندما جاء الى السلطة بوش الابن ووزير دفاعه رامسفيلد، تمت مراجعته والموافقة عليه أيضا، وقد تم تحديد المخاطر على مصالح وأمن الولايات المتحدة في الآتي: دول مارقة تريد أن تبحث عن نقاط ضعف اميركا كي تنفذ منها. دول صديقة للولايات المتحدة معرضة للسقوط من جراء الفساد والمديونية والصراع الاجتماعي والاستبداد. ومع أن اميركا لا تسمح بهذا السقوط، الا أنها في الوقت نفسه لا ترى وسيلة للمساعدة على منعه. ارهاب متعولم جاء موكباً للعولمة التي تخللت النظم السياسية والاجتماعية في العالم، لكنه كان مقاوما لها محاولا الوقوف أمامها، عاملا على الحفاظ على الخصوصية والهوية والقومية وكل مصطلحات ما قبل الحداثة. وخلص التقرير الى توصيات محددة نعيشها الآن في المواجهة بين الولايات المتحدة والعراق، حيث جاء في تلك التوصيات ضرورة التغاضي عن «المراسم التقليدية» بما يعني العودة الى المؤسسات قبل اصدار القرار، والاتصال بالقوى الخارجية والصديقة، وتكتيل الرأي العام. كل ذلك لا طائل ولا فائدة منه. الأولى والأفضل هو القيام بفعل قوي تفهمه المؤسسات حين تنفيذه، وتقبله القوى الخارجية حين تجده أمرا واقعا، ويتحمس له الرأي العام الاميركي حين يراه قويا ومثيرا للخيال. ومن هنا فهناك أهمية لانشاء مجموعات عمل من قوات خاصة لها وجود في داخل الولايات المتحدة وخارجها، وتمتلك القدرة على الحركة السريعة والقوية لضرب أي خطر بعد وقوعه، وذلك بالضبط ما يدعو الى تشكيله الآن رامسفيلد الصقر اليميني في الولايات المتحدة ووزير دفاعها. وقد استطاعت أيضا الولايات المتحدة الاميركية عبر تبني «استراتيجية الارتباط»، والتي تزيد من فاعلية الحوافز والجزاءات مع العقوبات أن تطور علاقة محكومة واستراتيجية مع الصين، ومع بعض دول جنوب شرق آسيا، ومع روسيا وبعض دول الاتحاد السوفييتي السابق، وبالتالي استطاعت اميركا أن تعيد النظام الى عالم ما بعد الحرب الباردة والثنائية القطبية. هيمنة الاضطراب وفي «تقرير الملاحة في بحور مضطربة» وهو تقرير قدم من قبل فريق من الباحثين والخبراء الاستراتيجيين والسفراء والوزراء الى الرئيس بوش الابن من أجل سياسة اميركية في الشرق الأوسط تبنى على انجازات بوش الأب، وقد استند على خلفيات خمس أو تقارير خمسة تمثل أولويات السياسة الاميركية في العالم، وتقدم خيارات القرار الاميركي. وقد شملت تلك التقارير الخمسة: شرق آسيا «الصين واليابان». أوروبا «حلف الأطلسي والسوق الأوروبية». شبه القارة الهندية «الهند وباكستان وما حولهما». الخليج «مواقع انتاج النفط والعراق وايران والقوقاز». منطقة الشرق الأوسط «الصراع العربي الاسرائيلي». وعندما قام ديك تشيني بايضاح الخطوط الرئيسية في التوجه العام لفريق الخبراء والاختصاصيين الذين كتبوا تقرير «الملاحة في بحور مضطربة» قال لهم إن الامبراطورية البريطانية قد احتفظت بسيادتها على البحر الأبيض المتوسط، وهو مركز الثقل في الاستراتيجية العالمية طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين بمجرد تعويد الآخرين على فكرة سيطرتها على البحار، في حين أنه على ساحة الواقع لم يكن لديها في البحر الأبيض غير تواجد عسكري محدد في السويس وجبل طارق وبين قبرص ومالطة. والولايات المتحدة الان فى وضع أقوى عشرات المرات مما كانت عليه الامبراطورية البريطانية، وكل ما يلزمها هو ترسيخ «عادة» الاقرار بوجودها في كل مكان، وتأكيد هذا الوجود بحيث يصبح مؤثرا على القرار في «أي مكان». وقد جاء ذلك التوجه مواكبا لتطلعات من قبل قوى اليمين الاميركي الممثل لمصالح الشركات الخمسمائة العملاقة، ولمجمع الصناعات العسكرية والبترولية في ممارسة دور الامبراطورية الاميركية، والعمل على التحكم في عالم اليوم لصالح أمد أطول للنفوذ الامبراطوري الاميركي، ولصالح أمد أطول لمصالح تلك الامبراطورية، لذا ليس غريبا أن تقرأ ومن مراكز بحوث عديدة أبحاثاً تتناول «الامبراطورية العادلة»، و«الامبراطورية الاميركية» و«الامبراطورية الرحيمة» و«الامبراطورية الديمقراطية» الخ من توصيفات تكشف لنا روح السيطرة والهيمنة والانفراد بالعالم. مرتكزات أساسية وقد حدد تقرير اللجنة انجازات ثلاثة تحققت: ضمان أمن الخليج وموارده البترولية. فتح الطريق أمام سلام شامل في المنطقة وذلك عبر انعقاد مؤتمر مدريد وما تبعها من اتفاقيات. وأخيرا قبول العالم العربي باقتصاد السوق وهو أهم مرتكزات العولمة. تأتي بعد ذلك التوصيات المخلصة لتقرير اللجنة الرئاسية فتشمل الآتي: منع نشوب حرب اقليمية في الشرق الأوسط، وذلك عبر وسائل أهمها التأكيد طوال الوقت على التحالف بين الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل، حتى يفهم الجميع من البلدان العربية أن القوة الاميركية هي الغالبة، بالاضافة الى توظيف الدول المعتدلة في المنطقة لتشجيع طرح مبادرات تبقي على عملية التسوية مفتوحة وقائمة «مصر - الأردن - السعودية - المغرب». ولعل هذا ما يفسر لنا المبادرة السعودية التي وافق عليها المجتمعون في القمة العربية الأخيرة، كما يكشف لنا عن دور الوساطات المصرية والأردنية والمغربية والقطرية في التدخلات الواجبة عند حدوث الاختناقات في مسار التسوية، أو عند وقوع الحصار على كنيسة المهد والحصار على أبوعمار.. الخ. ولا تكتفي النصيحة في هذا البند بذلك فقط، انما تنصح بردع المعارضين للسياسة الاميركية مثل العراق وسوريا. وفي التوصية الخامسة: منع تواجد أسلحة متقدمة بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل في ترسانات دول المنطقة، وذلك عبر التأهب والاستعداد للرد بقوة على أية مخالفة، باستخدام قوة عسكرية طاغية ضد العراق اذا حاول اعادة بناء ترسانته العسكرية ومن الأفضل أن يرتب لمثل هذا الاحتمال عن طريق الأمم المتحدة، أو عن طريق تحالف الخليج السابق، واذا لم يكن ذلك واردا فعلى الولايات المتحدة الاميركية أن تكون جاهزة للعمل مع عدد قليل من الأصدقاء. وعبر توصية أخرى يطالب التقرير وفي جزء من التوصيات منه.. ردع ايران عن امتلاك أية أسلحة متقدمة، وتشجيع فكرة اقامة نظام دفاعي صاروخي تقوم عليه اميركا بالشراكة مع: أولا مجلس التعاون الخليجي ومن ثم الأردن ومصر وتركيا ومن بعدها اسرائيل، وفي التقرير نفسه يأتي الحديث عن «عصر ما بعد عرفات». أهداف ومبررات اذن نحن أمام استراتيجية كونية فيها استراتيجية خاصة بالشرق الأوسط، حيث ترى اميركا أن مصالحها في المنطقة في النفط، الذي يمثل نسبة كبيرة من الاحتياطي النفطي العالمي «نفط الخليج العربي والعراق وايران» وفي الدفاع عن اسرائيل والعمل على اعطائها الدور الأول المهيمن على المنطقة، وبترول الشرق الأوسط هذه المرة لن يتم التحكم والسيطرة عليه الا عندما تكتمل حلقات الهيمنة على الخط الاسيوي الاستراتيجي، والذي استطاعت فيه اميركا أن تتواجد حول بترول بحر قزوين وذلك بالتعاون والتحالف مع بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة، ثم تواجدها عبر حرب أفغانستان بعد أحداث سبتمبر 2001، بالاضافة الى تواجدها في الخليج العربي، وأخيرا التي تنعقد على بترول العراق ومن بعده بترول ايران حتى يكتمل الخط الآسيوي الحافل بثروة البترول، ولم يكن ذلك هو الهدف فقط بل كان الوجود الاميركي قد نجح عبر حرب أفغانستان والخليج العربي في أن يحاصر ويلتف حول الصين وروسيا واليابان والتحكم في مسار التطور المستقبلي لها. وقد صرح مستشار الرئيس الاميركي للشئون الاقتصادية لورانس ليندساي بأن البترول هو الهدف الرئيسي لمساعي الولايات المتحدة لشن هجوم عسكري واسع النطاق ضد العراق، وأن التكلفة الاقتصادية لهذه الحرب لن تقل عن مائة مليار دولار، والتأثيرات السياسية السلبية لها ستكون بسيطة للغاية مقارنة بالمزايا الاقتصادية والمكاسب الاستراتيجية في حالة نجاح الحرب. وهنا لابد من أن نشير الى أن الاحتياطي المرجح من البترول العراقي يتجاوز حاليا 150 مليار برميل وهو ثاني احتياطي بترولي في العالم بعد احتياطي المملكة العربية السعودية، بينما بلغ الاحتياطي العالمي المؤكد للبترول في نهاية ديسمبر 2001 نحو 1050 مليار برميل، وبذلك يملك العراق والسعودية معا 40% من الاحتياطى البترولي المؤكد علي مستوى العالم. ألا يستحق ذلك الحرب وهو ما يحقق أيضا مزيدا من النفوذ والهيمنة وطول البقاء على القمة للامبراطورية الاميركية. ـ كاتب مصري