السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر أنشأت إدارة جورج دبليو بوش دائرة إخبارية دعائية، تختص بالتضليل الاعلامي والتمويه على حقائق تحركات واهتمامات واشنطن وأهدافها الخارجية. حدث ذلك بشكل سري، ولم يتسرب شيء عن هذه الدائرة إلا عقب ثبوت خيبتها عاجلا وصدور قرار بالغائها. وكان افتضاح هذا الإجراء الأخرق مناسبة لمزيد من الإنتقادات التي طرقت رأس الرئيس بوش وإدارته، بسبب انتهاكاتها لحريات الرأي والكلمة والتعبير والحق في المعرفة الصحيحة. لقد اختفت دائرة التضليل كمؤسسة لكن فكرتها مازالت باقية في وجدان كبار المسئولين الاميركيين بدون إستثناء الرئيس ذاته، ويبدو أن هؤلاء المسئولين اثروا أن يتولوا الوظيفة الدعائية بأنفسهم بزعم أنهم أكثر صدقية وحصانة أمام الرأي العام وأقدر على ضبط خطابهم على مقاس نواياهم المبيتة تجاه القضايا موضع الاهتمام. ومع ذلك، فإن من يستهدف معرفة حجم الزيف والتلاعب بالحقائق في هذا الخطاب، سوف يعثر على ضالته بسهولة. زيف مكشوف مثلا، بحسه الدعائي الاعلامي أدرك دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي أن الذكرى السنوية الأولى لبدء الحملة الأفغانية في 7 اكتوبر الماضي، لن تمر بدون أن تثير أسئلة كثيرة عن حصادها وجدواها وأيلولتها ومصيرها..وهو يعرف حتما مغزى أسئلة كهذه بالنسبة لاستعدادات الرأي العام، الداخلي والخارجي، للتجاوب مع أو النفور من الحملة العراقية العتيدة. ولهذا، راح الرجل يعدد مزايا الحملة الأولى وفضائلها على الأمن الأميركي والدولي، ولم ينس مداعبة مخيال سواد العراقيين بالاستطراد إلى تغير أحوال الشعب الأفغاني إلى الأحسن بفعل المنقذ الأميركي على مدار العام الفائت.. «في أفغانستان عادت الحياة الطبيعية إلى الناس. ذهب التلاميذ إلى مدارسهم وتحررت المرأة من قيود نظام طالبان والقاعدة.وتدفقت المساعدات على البلاد ، وتمكن زهاء مئة ألف لاجئ من العودة إلى ديارهم. وهناك مطاردة ناجحة لفلول النظام السابق الإرهابي.وتم تكوين حكومة للمضي بالبلاد على طريق الديمقراطية.وسوف تجرى انتخابات عامة لهذا الغرض أيضا أواخر عام 2003». بهذا العرض، مارس رامسفيلد أسوأ أنماط الدعاية والتسميم السياسي ألا وهو النمط الفج الذي يمكن التأكد من زيفه وسماجته عبر إجراء مقارنة بسيطة بين محتوياته وبين الواقع المنظور. ولأن الحملة الأفغانية ما أنفكت تتفاعل ولا تنتمي إلى التاريخ المتقادم الذي يمكن العبث بمفرداته وحوادثه، فإن مقارنة كهذه هي في متناول الكافة. ففي اللحظة ذاتها التي كان فيها وزير الدفاع الأميركي وبقية زملائه في إدارة بوش، يحسبون انهم قادرون على تغطية سوءات سياستهم الأفغانية، قوم متابعون أخرون هذه السياسة بشكل مغاير تماما. ومما قيل بهذا الخصوص، إن السلم والأمن الدوليين لم يصبحا أكثر استقرارا بعد الحملة، و لا أصبح الأميركيون يستشعرون مزيدا من الطمأنينة. ولم تتمكن القوات الأميركية والخاضعون لأوامرها داخل أفغانستان وفي جوارها من رقبتي الملا محمد عمر وأسامة بن لادن.. بل إن مصيرهما غير معلوم على الاقل. والبعض تساورهم الشكوك في صدقية عزم الأميركيين على ملاحقتهما، باعتبار أن تعليق مصيريهما يبقي الباب مواربا لاستمرارية الوجود الأميركي في الديار الأفغانية! وهناك من يتبنى الفرضية ذاتها بالنسبة لديمومة صدام حسين على رأس النظام العراقي، كمدخل يستخدم راهنا في تبرير الحملة العراقية العتيدة! قد يجدد الاستدراك هنا، بأن السياسة الأميركية ربما تكون أنجزت بالفعل أهدافا ثمينة لها من وراء العملة الأفغانية، فهي نشرت قواتها وبسطت سيطرتها بجوار كنوز نفط وسط آسيا.وصارت على تخوم العملاق الصيني وبطن الدب الروسي. وشغلت مجمعها الصناعي العسكري الذي أوشك على البطالة. وجربت بعض جديد أسلحتها . ومونت نخبتها الحاكمة لنفسها شيئا من المكانة والجماهيرية.. وأنتجت عدوا بديلا من المعسكر الإشتراكي لاسيما على المستوى الفكري الأيديولوجي، بما أزال عنها وحشة مراكمة القوة بدون ميدان محدد توجهها إليه خلال العقد الفائت.. غير أن هذه الأهداف ونحوها تنتمي إلى الاجندة الأميركية الخاصة جدا بالمعنى القومي الضيق على الصعد الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والأيديولوجية. وهذا ينزع من إدارة بوش أحقية الزعم بأن حملتها إنما قصدت وما تزال أهدافا عالمية الطابع. لعبة واشنطن على أن ما يجوف تقويم رامسفيلد ورفاقه للحملة الأفغانية بصورة أوقع هو حال الشعب الأفغاني ساعة هذا التقويم . فليس صحيحا بالمرة أن تداعيات الحملة أدت إلى عكس وضعية البؤس التي يوصف بها عهد الحرب الأهلية وحكم طالبان «الأصولي» الحياة الطبيعية لم تعد لأفغانستان، البلاد والشعب والحكم.. ولا أدل على ذلك من غياب حديث الاعمارالاقتصادي والإصلاح السياسي والاستقرار الأمني من المساجلات الداخلية والخارجية. إن الانهيار العام على كل المستويات مازال الصفة الملازمة والملائمة لأفغانستان من الداخل. لقد توارت الاخبار الافغانية من واجهة الاعلام العالمي، لكن القليل الذي يرشح أو يفلت من سطوة ملوك هذا الاعلام يكفي للتعرف على هذه الصفة واستنباطها. فالقوات الدولية التي انغرست هناك مشغولة بصيانة أمنها الذاتي ولا تخصص إلا قليلا من الجهد والوقت لغير هذا الغرض، وفي كابول حكومة تم إبرارها على البلاد بشكل إصطناعي ولا تستطيع أن تحرك ساكنا إلا بمعرفة واشنطن، مالا يرضى أشواق شعب اشتهر بنزوعه الأصيل إلى الاستقلال ورفض السيطرة الأجنبية. وفي فترة محدودة تم إغتيال نائب رئيس الحكومة، وكادت محاولة مماثلة أن تودي بحياة الرئيس حامد قرضاي نفسه. ومن المعلوم الآن أن قرضاي لا يملك زمام القرار في طول البلاد وعرضها. حتى أن البعض يتندر بالقول بأن الرجل يحكم بالكاد الدائرة التي يشكلها حراسه الشخصيون. وإذا كانت سلطة الحكومة المحلية على هذا القدر من المحدودية والتواضع، فلا مجال للتساؤل عن سبب عدم تدفق المساعدات الدولية التي أقرها مؤتمر المانحين في طوكيو الربيع الماضي (نحو 45 بلايين دولار ). إذ أين هي الأطر التي سوف يناط بها استقبال هذه الاموال واستثمارها تنمويا وفق برنامج لإعادة الاعمار وتأهيل البلاد اقتصاديا ؟.. وبالطبع ثمة سبب مهم آخر لإحباط عامة الأفغان من هذه المساعدات، هو معرفتهم بأن ما يصل منها يتجه لشراء ولاءات أمراء الحرب وزعماء القبائل الجهويين، الذين مازال وجودهم يعلن عن فشل الأمن العام وإعادة تكوين الدولة الأمة في البلاد. لو كان حال أفغانستان على غير هذه الوضعية، سياسيا واقتصاديا وأمنيا.. لما نفر أبناؤها اللاجئون، وهم قرابة ربع مجموع الشعب الأفغاني، من العودة السريعة إليها، وليس لرامسفيلد أو غيره أن يفخر بمجرد عودة 100 ألف منهم خلال العام الماضي وذلك لسببين : الأول أن بعض أولئك العائدين راحوا يؤثرون حياة اللجوء مجددا على هوائها الشديد، وبئست الحياة التي يكون فيها اللجوء أفضل من العودة لأحضان الوطن الأم. الثاني أن التئام شمل الشعب الافغاني في وطنه، طبقا لمعدل العودة الحالي، يحتاج إلى عشرات السنين! يبالغ إعلام الحرب الأميركي في تقدير مكاسب الشعب الأفغاني، ونادرا ما يشير المسئولون الاميركيون إلى الخطابة المفضوحة لحملتهم الأفغانية، بما في ذلك مصرع آلاف الأفغان بنيران القوى الصديقة المنقذة «الأميركية» وحلفائها المحليين الموتورين من زمن الحرب الأهلية.. والأنكى من هذا أن هؤلاء المسئولين يمارسون الآن لعبة التذاكي ( أو الاستحماق ) ذاتها حين يعدون الشعب العراقي بمستقبل أكثر إشراقا ورغدا اقتصاديا وديمقراطيا في مرحلة ما بعد نظام صدام ( وعند كوندوليزا رايس ينسحب هذا الوعد على العالم الإسلامي برمته !). إنهم في واشنطن يكذبون ويتجملون، وهم يطلبون من رأيهم ورأينا العام شراء هذا الكذب والتجمل، وكأن الجميع في مسرحية هزلية ساخرة مع أن الأمر كله جد لا هزل فيه. ـ كاتب فلسطيني