السبت 11 رمضان 1423 هـ الموافق 16 نوفمبر 2002 هب ان القدرة على التكيف مع الوسط الاجتماعي قد تهيأت للفتيان والفتيات، وأصبح من السهل عليهم الاندماج مع الوسط المدرسي، ومع الاوساط الاجتماعية التي تمهد لهم التنشئة الأسرية المنفتحة على الآخرين فهل يعد ذلك كافيا للحكم على ذلك الجيل بانه اصبح مهيأ لادارة ذاته، ولاجتياز التحديات التي يواجهها بقوة وشجاعة، وحزم واصرار؟! ان اجابة هذا السؤال تتوقف على عدة عوامل يجب الاخذ بها من قبل الاباء والتربويين على مأخذ الجد والاهتمام. من اهمها تكوين الحس الناقد الذي يرفض التقليد والانسياق وراء الافكار السائدة دون ان يعرضها على ميزان العقل، ويقيمها من خلال المعيار الذي تربى عليه. ولا يخفى على كل من يعنيه اصلاح البيئة التي تحيط بالجيل الجديد ان مفهوم التربية الناقدة اصبح من المفاهيم الغائبة عن اذهان من اسندت اليهم مسئولية رعاية الجيل. ولو تقدمنا خطوة في استيعاب اثر هذا البعد التربوي على شخصية الابناء فسوف ينكشف لنا وجود علاقة جذرية بين التدريب على ممارسة النقد وبين قوة الدفع الذاتي لانجاز المهمات والواجبات التي توكل اليه حين يمتلك الشجاعة في رفض الانسياق وراء الافكار السطحية والهامشية والتركيز على الهدف الجاد الذي حدده وانتمى اليه. ان مساحة من الحرية المسئولة، والقدرة على اتخاذ القرار الصائب انما تتهيأ لاولئك الذين اتيح لهم القدر المناسب من التربية المبكرة على ممارسة النقد لكل مالا يرونه مناسبا من الاقوال والتصرفات المحيطة بهم. غير ان هذا الطرح لا يلاقي صدى على ارض الواقع، الذي له لغته المختلفة، وسياسته التربوية التي تصطدم بشكل واضح وصريح مع اسس تكوين الحس الناقد الذي يدعو اليه كبار التربويين كطوق نجاة يحتمي به الفرد من الانجراف خلف التيارات الفاسدة!! وسواء كان التدريب على ممارسة النقد الذي يدعو اليه اهل التربية تدريبا حواريا يمارسه الابن او البنت مع الابوين، او مع المعلمين والمعلمات، او اثناء المكوث في المدرسة، او كان تدريبا تطبيقيا من خلال دعوة الناشيء الى القيام بتصرف ما للتعبير عن الاستياء والرفض للسلوكيات الخاطئة التي تحدث امامه فان كلا النوعين تقل مساحة الاهتمام بتكوينهما في حس الناشيء من قبل كثير من الاباء والمعلمين!! والثابت ان تعويد الصغار على انكار الخطأ، والاستياء من السلوك السلبي، والتعبير اللفظي الصريح عن الرفض وعدم القبول بكل ما يتنافى مع القيم والاداب سواء كان ذلك التعبير بالقول والعبارة المباشرة او بالسلوك والعمل الحي هي مقومات كبرى تعمل على تكوين الفرد الايجابي، الذي يتفاعل مع الحدث، ويتخذ موقفا واضحا منه، معتمدا على قناعاته الخاصة، وعلى ايمانه بان الحياة لن تتقدم الا من خلال الالتزام بالمعايير القيمية والاخلاقية، التي يمثل الدفاع عنها الخط الفاصل بين الخير والشر. ولكي يصل الفرد الى ذلك المستوى المتقدم من الاحساس بالواجب يجب ان يتربى على حماية البيئة التي تحيط به من ان تكون وعاء يختلط فيه الحسن بالرديء من الافكار والاقوال، ويجب ان يسمع من ابويه ومن معلميه شيئا من النقد لتلك الممارسات السلبية التي تحدث على مرأى ومسمع منهم في الواقع الملموس او على شاشات التلفاز او على صفحات المجلات والصحف. وكلما كان الكبار اكثر قدرة على فتح حوار مباشر وصريح معه على اسباب الرفض والاستياء من تلك الاخطاء كلما تهيأ للطفل ان يرتبط اكثر بميزان القيم، طالما ان من يثق بهم ويتخذهم قدوته في الحياة يمارسون دور الحارس المتطوع الذي يبادر الى لفت الانتباه وتصحيح الاخطاء كلما رأى او سمع ما يسيء الى الذوق والاخلاق. ومما يعزز من فائدة تلك الاحكام النقدية في نفوس الصغار ان يبادر الاباء والمربون بدعوة الناشئين الجدد لتقديم افكار عملية حول الوسائل التي يقترحون القيام بها من اجل ايصال رسالة الى الطرف الذي يمارس السلوك الخاطيء يفهم من خلالها ان هناك من يرفض السلوك السلبي ويتصدى له. ولن يبخل الصغار او الفتية والفتيات في اطلاق العنان لخيالهم الخصب في تقديم عشرات الاقتراحات حول الطرق والوسائل الممكنة لتقليل هامش الفرص امام الاخطاء للحدوث في المستقبل!! ان تكوين الحس الناقد هو بداية صحيحة للتربية على الاستقلالية في الحكم على المواقف المختلفة واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.