الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 ذات مساء رفع بصره نحو السماء، شغلته سحابة تتحرك في الفضاء الواسع، نظر إليها، انها صغيرة تنسحب بعيدا عن الحيز الذي يجلس عليه، لن يصيبه خيرها، فهي تسير نحو اتجاه آخر. خاطبها وهي البعيدة وكله ثقة انها ستسمعه «أمطري أينما شئت فسيأتيني خراجك». يالها من نفس واثقة: أينما شئت سيأتيني خراجك! ذلك هو الخليفة هارون الرشيد. عندما خاطب السحابة العابرة كان يعلم حجم الدولة التي يحكمها، فأينما امطرت فإنها ستكون ضمن نطاق ملكه. ولثقته الكبرى في ايمانه وعدالة حكمه سيأتيه الخراج في موعده. أساس الحكم هو العدل والنظام. وشهد له التاريخ انه حقق هاتين الخاصيتين، عندما أمر في عهده ان يوضع كتاب «الخراج» الذي يعد أهم اسس التنظيم المالي للدولة. وازدهرت العواصم والأقاليم في ايامه مثلما هي بغداد الرشيد عاصمة الخلافة. وعدالة حكمه تمثلت كما نقل المؤرخون الثقات في تنظيمه لأمور القضاء، واهتمامه بحفظ الأمن وتوفير سبل الطمأنينة بين العامة. لقد اهتم كثيرا بالمظالم، وأقام العسس في الليل للمحافظة على أمن الناس واعتنى بالطرق وتنظيم البريد. كان ذلك قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام، في عصر لم يتطور بعد في مفاهيم ونظريات الدولة والحكم ونظم الادارة. كان رائدا في زمنه، وكان عصره من ازهى عصور التاريخ الإسلامي على الاطلاق كما اجمع على ذلك جمهرة من المؤرخين. لكن عصر هارون الرشيد الذي وصف بأنه ازهى العصور، كان ايضا اكثر العصور التي اختلف عليها ولايزال هذا الخلاف على شخصية الرشيد قائما. فهذا الخليفة قد يكون الأوحد الذي رسمت صورته في التاريخ وفي كتب الأدب والتراث بهذا الاختلاف الواسع. صورتان نقيضتان لا تجتمعان أبدا. كل فريق يحاول ان يثبت ملامح الصورة التي يراها في هذا الخليفة. فالذين يرون فيه الخليفة الملتزم أمير المؤمنين يستشهدون بالرواة الذين وصفوا عبادته في انه كان يصلي كل ليلة مئة ركعة وانه كان يحج عاما ويغزو عاما، وانه اذا ذهب الى اداء هذه الفريضة احج معه مئة رجل من العلماء تكفل بنفقتهم وكسوتهم. وانه أول وآخر خليفة حج ماشياً. ويذكر هؤلاء فتوحاته وانتصاراته، ويزايدون كثيرا في وصف ورعه وبكائه في عبادته وزهده في الدنيا. ويؤكدون اختلاق ماجاء في كتب الأدب والقصص مثل «الاغاني» للاصفهاني و«ألف ليلة وليلة» التي شوهت حكم الرشيد وافترت عليه حكايات اللهو والعبث الذي استشرى في بغداد والذي كان فيه مجلس الخليفة مرتعا للجاريات الراقصات المغنيات وليالي الانس والخمر والمجون، وان هارون الرشيد في هذه الكتب كان كبيرهم ومشجعهم في هذا اللهو غير البريء، والذي لم يشهده من قبل اي عصر من عصور الدولة الإسلامية. هؤلاء يرون ان هذه الحكايات هي من صنع خيال مريض، وضعها اعداء الإسلام للدس وتشويه مناقب هذا الخليفة التقي. وانصار «الف ليلة وليلة» يرون ان روايات هذا الكتاب قد يكون فيها شيء من الخيال والمبالغة، إلا ان في بعضها كثيرا من الصحة في رسم صورة هارون الرشيد، فبعض الحكايات التي جاءت فيه ذكرتها كتب التاريخ. وايضا هذه الشخصيات من شعراء المجون امثال ابي نواس، وكذلك اشهر المغنين الذين عرفهم التاريخ كاسحاق الموصلي عاشوا واشتهروا في عهده. ويسجل التاريخ ـ وهذه حقيقة يؤكدها الطرفان ـ ان عصر هارون الرشيد كان عصر العلم والأدب، فهو الذي يوصف «انه لم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء والقراء والقضاة والكتاب والندماء والمغنين ما اجتمع على باب الرشيد»، وانه كما يقول الطبري «لم ير خليفة قبله كان اعطى منه للمال وكان يحب الشعراء والشعر ويميل الى الأدب والفقه». ويرى انصار «ألف ليلة وليلة» ان هذا الكتاب العلم هو الذي طار بشهرة الرشيد حتى وصل ذكره أقاصي الأرض وسكن في كل احقاب التاريخ، يردد الدهر اسمه، فلم يوجد خليفة في التاريخ الإسلامي عرفه كل العالم في كل العصور وبكل اللغات مثل هارون الرشيد، والفضل يعود في ذلك الى «ألف ليلة وليلة» الذي ترجم الى معظم لغات العالم. لكن هذه الشهرة وهذا المجد حمل الصورة المشوهة والمختلقة عن هذا الخليفة. فأين حقيقة هارون الرشيد؟ نكمل الأسبوع المقبل