الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 لن تخطئ في المعنى الجوهري اذا اطلقت على النظام الرأسمالي اسم «اقتصاد السوق». وبالمثل لن تخطئ اذا اطلقت على «اوسلو» اسم «خارطة الطريق». لقد سقطت اتفاقية اوسلو من مجرى التاريخ نهائياً لأن كلا من الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي لم يعد مقتنعاً بأنها ذات جدوى. الفلسطينيون رفضوها، واليمين الاسرائيلي بزعامة شارون رفضها. والآن تقدم ادارة بوش الى الفلسطينيين نفس البضاعة القديمة المغشوشة لكن بتغليف جديد خلاب وفق ما يوحي به الاسم المبتكر «خارطة الطريق». مثل سابقتها اوسلو تماماً فإن «خارطة الطريق» صممت عمداً كي لا تقود الى نتيجة محددة وقاطعة وحاسمة. فالقضايا الجوهرية، كمستقبل القدس وعودة اللاجئين وحدود «الدولة» الفلسطينية المقترحة. كلها مؤجلة. ولا اجد في هذا الصدد خيراً من تلخيص الخبير الاكاديمي الاميركي هنري سيغمان لهذه المبادرة حيث قال عنها انها خارطة طريق «لا تتضمن محطة وصول». ولكن ليس معنى هذا انها لا تتضمن محطات «وقوف» عابرة. غير ان كلاً من هذه المحطات لا تنطوي الا على شرط ما يتعين على الجانب الفلسطيني تنفيذه. وهذه الشروط تتلخص في كلمة واحدة، تصفية المقاومة الفلسطينية نهائياً. اما ما يطالب به الجانب الاسرائيلي في مقابل التسليم والاذعان الفلسطيني فهو انسحاب «تكتيكي» من المدن الفلسطينية الى الوضع الذي كانت عليه القوات الاسرائيلية قبل اندلاع الانتفاضة في سبتمبر عام 2000 ـ وليس تصفية للاحتلال. غير ان المغزى الحقيقي لاطلاق مبادرة «خارطة الطريق» ليس كونها ورقة اسرائيلية كتبت بمداد اميركي وإنما توقيت عرضها. فالمقصود ليس تسوية القضية الفلسطينية وانما المقصود هو التمهيد لمناخ مؤات لضرب العراق. ان المراد هو تهدئة الوضع الفلسطيني لكي يتفرغ جورج بوش لتنفيذ مشروع غزو العراق دون «شوشرة» على الصعيد الفلسطيني ـ الاسرائيلي حتى لا تبدو الصورة العامة امام العرب وكأن شارون يضرب الفلسطينيين بينما ينهمك بوش في ضرب العراقيين في تزامن موحد. لكن ثمة احداث فجائية نسفت خطة بوش. ومن سخرية الاقدار ان هذه الاحداث جرت وتجري في المسرح الاسرائيلي.. لا المسرح الفلسطيني. فقد تصاعد الصراع الداخلي الاسرائيلي بتسارع غير متوقع حتى ان حكومة شارون صارت على شفا السقوط. كان محور الصراع هو الميزانية العامة الجديدة التي عرضتها حكومة شارون على البرلمان. فقد عارض وزراء حزب العمل الشركاء في الائتلاف الحكومي انحياز الميزانية لصالح المستوطنين على حساب فئات شعبية محدودة الدخل يعتمد عليها حزب العمل كقاعدة جماهيرية. وانتهى الامر الى فض الائتلاف الحكومي وحلول عناصر يمينية متطرفة مكانه من ابرزها رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو كوزير للخارجية، ورئيس اركان الجيش السابق شاؤول موفاز، كوزير للدفاع. وهكذا اجتمع ثالوث شارون ونتانياهو وموفاز ايذاناً بتصعيد نوعي في قمع الشعب الفلسطيني، ذلك ان كلاً من نتانياهو وموفاز يعتبران ان الجنرال الدموي شارون ليس متشدداً حيال الفلسطينيين بما يكفي! اذن فإن بوش، عوضاً عن تهدئة، كما كان يرجو وفقاً لخطته صار مجابهاً بتشدد اسرائيلي دموي مضاعف. وبالطبع فإن المزيد من التشدد من الجانب الاسرائيلي يبعث على المزيد منه على الجانب الفلسطيني. هكذا ضلت الطريق «خارطة الطريق». ولا يتوقف الامرعند هذا الحد. فالقادة الاسرائيليون منشغلون جميعاً الان بالتحضير لانتخابات عامة من المقرر ان تجرى بعد ثلاثة اشهر. واذا كان من المحتم ان كيفية التعامل مع الشعب الفلسطيني ومقاومته هي محورالصراع السياسي التقليدي بين الاحزاب الاسرائيلية ابان اي موسم انتخابي فإن القادة اليمينيين، المتطرفين من امثال شارون ونتانياهو يزايدون على بعضهم البعض في الاجندة القمعية الوحشية المعدة للمقاومة الفلسطينية. تأسيساً على ما تقدم فإن «خارطة الطريق» الاميركية لن تتمكن حتى من التحرك البطيء. ما ارادته واشنطن بالطبع هو ان تتحرك المبادرة في اتجاه وهمي دعائي على خلفية التحضير لضرب العراق كما اسلفنا.. لكن الموجة اليمينية العاتية التي اخذت تنتظم المسرح السياسي الاسرائيلي لن تتيح للمبادرة الاميركية حتى هذا التحرك التضليلي.