الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 قطعت خطوات تتراوح ما بين الضيق والسعة خلال القرن المنصرم في اجزاء عديدة من المعمورة على طريق تحقيق التقدم. وعلى الرغم من ان الشعوب العربية حققت قدراً من التقدم في شتى المجالات فان حصة تلك الشعوب من تلك الخطوات لا تزال اقل مما كانت تلك الشعوب تصبوا اليه. لم يحقق العرب افراداً وجماعات وشعوباً وانظمة، وقد دخلوا العقد الثالث من القرن الخامس عشر الهجري «عند بداية القرن الحادي والعشرين»، حلمهم الذي كانوا يحلمون به قبل قرن او قبل نصف قرن من الزمان بتحقيق التقدم. ان الواقع الذي يعيشه العرب يجعلنا نشعر بان «شيئا ما» لم يحقق من هذا التقدم. وهذا الشيء غير المحقق واقع في شتى المجالات الاقتصادية والتربوية والنفسية والفكرية والانمائية والقومية. وتقوم اسباب لهذه الحالة، حالة عدم كفاية القدر من التقدم الذي حققه العرب. ومن تلك الاسباب قدر كبير من السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية الاجنبية ومن التحجر والانغلاق الفكريين، والتركة التاريخية المتمثلة في الحكم الاجنبي القصير او الطويل للاراضي العربية. لقد وقعت اراض عربية تحت الحكم البريطاني والفرنسي والاسباني والايطالي. وكانت اراض عربية جزءاً من السلطنة العثمانية مدة تنيف عن اربعة قرون. لقد كان ذلك الحكم احد الاسباب المهمة في ايجاد قدر لا يستهان به من الانغلاق العقلي والفكري. وحتى تكون حياة اي شعب وثقافته متطورتين ينبغي ان يكون فكره منطلقاً ومنفتحاً على ما حوله. والتحجر والجمود الفكريان والتعصب والتشدد الفكريان دليل على الانغلاق الفكري، وهذه الصفات تناويء الانفتاح الفكري. الانفتاح الفكري هو قابلية استعداد الفكر للتفاعل مع افكار اخرى. ولا يعني الانفتاح الفكري والتفاعل الفكري التضاؤل الفكري أو الانحسار او التهميش او التذويب الفكري. ويتجلى الانغلاق الفكري في جملة تجليات منها النزعة الى البحث عن الاعذار والاستهانة بالتقصير وعدم استنتاج العبر والانغلاق على الشيء او الاندماج فيه وابداء قدر اقل من التفاعل معه، واتخاذ النظرة الثنائية الى الامور والاكتفاء بالموجود والانطواء عليه على الرغم من كثرة الشكوى مما هو قائم. ومن اسباب هذه الحالة ايضاً انفاق العرب للجهود الطويلة على مواجهة سياسة اسرائيل التوسعية والاستيطانية وغيرها من الاسباب. ويوجد تفاعل مستمر بين هذه الاسباب افقياً وعمودياً ـ افقياً على مستوى الاسباب القائمة، وعمودياً على مستوى الاسباب التي قامت في الفترات التاريخية المتتالية أو غير المتتالية. وللتقدم تجليات، ومنها توفر الحرية الفكرية المسترشدة بالصالح القومي العام، وحسن التنشئة والتربية، والصحة النفسية والانعتاق النفسي، ووجود مؤسسات المجتمع المدني، وايجاد مسافة بين الذات والموضوع، ومراعاة المتطلبات المهنية لاداء الوظيفة، وضمان كرامة الشخص بوصفه فرداً مخلوقاً ومواطناً. لقد أولى الذين كتبوا في موضوع النهضة العربية قدراً كبيراً من الاهتمام بالفكر واحدى نقاط الضعف الرئيسية في كتاباتهم انهم لم يولوا نقد العقل ما يستحقه من الاهتمام. وكتبوا من اجل تحقيق النهضة والتقدم دون اجراء تحليل كاف للواقع الاجتماعي الثقافي النفسي العربي ودون التناول الوافي بالغرض لكيفية تحويل افكار النهضة الى واقع ولكيفية تنشئة الاجيال على استعمال الفكر وتطبيقه. وهذه العيوب لا تزال منذ مستهل القرن العشرين تعتور محاولات التغيير وتحقيق النهضة. في هذه المحاولات استعملت وتستعمل عبارات تحمل مفاهيم تندرج في مفاهيم النهضة والتقدم، ولكن بسبب الحالة العربية القائمة بضغوطها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والعقلية لا تجري مراعاة هذه المفاهيم. تبقى العبارة مستعملة ولكن يبقى مفهومها غير محقق. يجرى تكرار ذكر عبارات من قبيل الاستقلال والاكتفاء الذاتي والمحافظة على الهوية والعمل من اجل التكامل العربي ولكن مفاهيمها لا تحقق. واحياناً في البيئة العربية الضاغطة يكيف معنى تلك العبارة ليس بما يتفق مع مفهومها الاصلي وليس بما يتفق مع مقتضيات تحقيق النهضة ولكن بما يتفق مع اعتبارات القائمين باستعمال تلك العبارات. وحتى يحقق العرب قدراً اكبر من التقدم يجب عليهم ان يتصرفوا بوحي الادراك ان السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وان الامور لا تنجز بمحض ذاتها ولكن الناس يقومون بعقولهم وافكارهم واخلاقهم وسلوكهم بانجاز الامور، وان هذا البيان ينطبق على الافراد والجماعات والشعوب والدول، وانه لن يحقق للعرب امنياتهم واهدافهم الا انفسهم وان العالم الذي نعيش فيه عالم فيه قوى كبيرة تطمع بمواردهم وباراضيهم وتريد ان تنقض عليهم لتفترسهم، وانه يمكنهم ان ينفقوا مئة سنة اخرى وهم يعربون عن استيائهم وشكاواهم دون ان يستطيعوا ان يحسنوا حالتهم ويعززوا قوتهم ووسائل الدفاع عن انفسهم الا عن طريق العمل وليس عن طريق الكلام والتسول وتكرار المطالب وتكرار ذكر المظالم. وتتسم الحالة العربية بالضغوط الأجنبية والدولية على العالم العربي وهي تتسم في الوقت الحاضر بثقلها وضخامتها وشمولها واستمرارها. وهي تسهم اسهاماً اكبر في تجزئة العمل العربي والإرادة العربية. ولعلها اقوى مما كانت في الماضي. ولا ريب في ان هذه الضغوط ونتائجها تسهم اسهاماً كبيراً في عجز العرب عن التخلص من عيوبهم العقلية والفكرية أو في جعل عملية التخلص هذه اكثر بطئاً وفي عجز الفكر العربي عن التصدي للضغوط الناجمة عن هذه الحالة. وفي العقود الأخيرة انتج العرب فكراً اصيلاً وانتجوا نتاجات فكرية في مجالات النقد والمجتمع والسياسة. وقد اقتبس وتبنى كتاب عرب كثيراً من النظريات والمذاهب الفكرية الغربية واشاعوها بين العرب دون التحقق من مناسبتها للبيئة الاجتماعية العربية. ان قسماً من الفكر الذي يشيع عند العرب ويعتمده بعض العرب هو تجل وانعكاس للفكر الغربي. فالشيوعية والغلو في النزعة الاستهلاكية والافراط في الفردية من المذاهب التي تتضارب مع الرؤيا والفلسفة الاخلاقية العربية. ويوجد في الفكر الغربي من المفاهيم ما يتفق مع المفاهيم العربية الاصيلة من قبيل المساواة والتضامن والتعاضد والتكافل الاجتماعيين. ومن الخطأ اشاعة مذاهب لم يجر التحقق من صحتها بالنسبة إلى الشعب الذي نشرت تلك المذاهب فيه. ومن الخطرالكبير أيضاً على الهوية الثقافية والقومية نشر كثير من المذاهب في صفوف شعب ليست لديه القدرة على التصدي لتأثيرات تلك المذاهب. الحقيقة ان الخطأ القول ان الفكر العربي المعاصر يقتصر على ذكر أو محاولة طرح القضايا. فقسم لا يستهان به من هذا الفكر يتجاوز الطرح إلى المعالجة النقدية والموضوعية لحالة الفكر العربي، وقد توصل ذلك الفكر إلى معرفة أسباب هذه الحالة وحدد العوامل التي يمكن بها تحقيق النهضة الفكرية والنهضة بصورة عامة. وتندرج كتابات هشام شرابي وادوارد سعيد ومحمد اركون ومحمد عابد الجابري ومحمود أمين العالم وغيرهم في فئة الكتابات المعربة عن الفكر المتسم بقدر اكبر من النقد الموضوعي لهذه الحالة. ولا حاجة بالمرء ذي قدر من الدراية الى ان يكون باحثاً أو عالماً او فيلسوفاً او استاذاً ليعرف طبيعة المشاكل التي تمنع تحقيق قدر اكبر من النهضة العربية، وطبيعة المشاكل التي تحد من انتاج الفكر النقدي ومن نجاعة الاستفادة من هذا الفكر. تتمثل هذه المشاكل في القوى الداخلية والخارجية التي تضغط باتجاه الانغلاق الفكري وباتجاه اضعاف الفكر النقدي. والبشر كافة من كل القارات والبلدان يشتركون في صفات فكرية معينة. ويختلف البشر بعضهم عن بعض في مدى قوة هذه الصفات. وقوتها او ضعفها مرهون بعوامل منها طبيعة المناخ الثقافي والاجتماعي والسياسي والتهيئة الاجتماعية والثقافية والتنشئة والوعي. ومن هذه الصفات ثنائية الفكر، أي ان الفكر عند البشر ذو شقين، والشق الواحد ينفي الشق الاخر. والاعتقاد بنسبية القيم والاحكام من شأنه ان يضعف الثنائية الفكرية. ومن الامثلة على الثنائية الفكرية في الغرب اعتقاد بعضهم بأن بلدان الجنوب تقع عليها وحدها المسئولية عن حالة الفقر التي تعاني منها وكأن الغرب لا يقع عليه أي نصيب من المسئولية. ويتجلى مفهوم الثنائية الفكرية احياناً في قبول صيغة «اما... او». وتتجلى هذه الصيغة في بعض الخطابات العربية المعاصرة. على سبيل المثال كتب مفكر عربي في العقد السادس من القرن الماضي: «ان الأمة «العربية» التي بعثت من قبل لتقود العالم وحدها للحق والعدل والسلام لابد لها ان تبعث من جديد في القرن العشرين... لرسالة مستمدة من حقيقة وجودها كأمة عربية، رسالة اما ان تؤديها عظيمة كاملة واما ان لا تؤديها على الاطلاق». معالم الحياة العربية الجديدة «بيروت: دار العلم للملايين، 1956»، ص 14 و310» هذا مثال ساطع على الثنائية الفكرية: الأمة تقود العالم وحدها، رغم انه توجد درجات من القيادة، اذ يمكن ان تقود العالم امتان أو ثلاث امم او عشرون او خمسون أمة، ووفقاً للاقتباس، فالامة العربية اما ان تؤدي رسالتها كاملة او لا تؤديها على الاطلاق، غير انه ان لم يكن من الممكن للأمة العربية ان تؤدي رسالتها كلها قد يمكنها ان تؤدي جل رسالتها أو قسماً منها. وان اداء الأمة لقسم من رسالتها أفضل من عدم اداء أي قسم من هذه الرسالة. ـ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة