الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 يبدو أن هذا هو زمن التزييف وتغيير المسميات المتفق عليها حتى اصبح الإنسان لا يأمن على اللغة التي يتحدث بها بعد أن فقدت اللغة معانيها، وانتهت الكلمات إلى ما يشبه «سوق النخاسة»، عليها أن تبدل المعاني كما يتم تبديل الملكية في السوق بعد المزاد لمن يدفع اكثر، وعلى البشر أن يتقبلوا المعاني اللغوية الجديدة، ليس حسب تصنيفها في قواميس اللغة، بل طبقا للسيد الجديد الذي يستطيع أن يدفع ثمنها ويوظفها لأهدافه الخاصة باعتباره السيد الأعلى. بالطبع يكون هذا التوظيف ماديا، أي بماله ولخدمة أهدافه ومصالحه الخاصة، ولا يجب أن ننظر إلى ما يرتديه تحت قبعته، الأمر سيان مادام يمتلك الملك والقوة والجبروت والسطوة، لأنه في هذه الحالة يكون الكل طوع بنانه، وفي كثير من الاحيان لا يكون المال ماله، بل مال الغير يوظفه لخدمته لأنه يمتلك قوة فرض السيطرة فقط، لأنه حتى المال وحده لم يعد كافيا للهيمنة، وإلا لكنا نحن العرب المسيطرون وليس المسيطر علينا (؟!). بقدرة قادر وبإيعاز من البيت الأبيض الأمريكي، وصمت الاتحاد الأوروبي خوفا على مصالحه، وخنوع الآخرين من أقصى الأرض إلى أقصاها، تحول المناضل إلى إرهابي، فيما يتجول الإرهابي الأكبر بين كبرى العواصم، ويقابلونه بالترحيب والتشريفات والموسيقات العسكرية باعتباره مدافعا عن الحضارة ضد الهمجية، وتحول المستعمر إلى مجرد مدافع عن نفسه يقتل ويسحل ويسجن ويدمر البيوت على سكانها، فيما أصبح الشهيد قتيل نفسه لأنه تجرأ على تسمية الأشياء بأسمائها، وطالب بحقه في العيش في وطن مستقل. أما الأمم المتحدة فحدث ولا حرج: المنظمة المنوط بها حفظ السلام ومنع وقوع الحروب بكل الطرق والوسائل الممكنة وغير الممكنة، تصدر اليوم قرارات تبيح الحرب، بل وتستخدم القتل والتدمير لدعم الجبروت الغائب عنه وعيه لمجرد ادعائه أن الغير يرفض تنفيذ قرار صدر عن المنظمة الدولية، أو تلكأ وعاند حتى لا ينفذ جميع بنود القرار أو بعضها لأنها مجحفة بحقه، وفي الوقت نفسه ترفض تلك المنظمة الدولية نفسها أن تتذكر أن هناك من ضرب بالآلاف من قراراتها عرض الحائط، بل ويتحداها أن تصدر مجرد تقرير ضده يقرر واقعا حدث على الأرض أمام أعين الجميع، كما حدث بعد مذابح جنين، فإذا بالمنظمة تبتلع تقريرها وتدين القتيل وتبرئ القاتل، وإذا بالمنظمة الدولية المنوط بها الدفاع عن الضعفاء تدين هؤلاء الضعفاء وتتهمهم بأنهم السبب فيما حدث لهم، وأن عليهم الخضوع للمغتصب، بل وتقديم العون له ليكمل عملية الاغتصاب في هدوء لا يعكر صفوه صراخ الضحايا. المصالح أولاً في ظل كل هذه المفاهيم المغلوطة التي تسيطر على لغة السياسة والسياسيين اليوم، وتحت شعار المصالح أولا، هناك من يحاول الخروج بأكبر فوز من خلال استخدام تلك المفاهيم الجديدة التي أتاحها توحش العولمة الغربية لتنهش كل شئ، فقرر البعض من المغالطين أنفسهم أن يطبق تلك المفاهيم المغلوطة لصالحه مستغلا المناخ العام، وكما يقول المثل الشعبي الإسباني بحق: «في الأنهار العكرة يسهل الصيد»، قرر المسئولون في مستعمرة جبل طارق وقف تنفيذ قرارات الأمم المتحدة القاضية بتصفية الاستعمار البريطاني من تلك المستعمرة وأعادتها إلى إسبانيا باعتبارها أرضا إسبانية اغتصبتها بريطانيا قبل قرون بقوة السلاح، وأن مرور الزمن لا يعني سقوط الحق الأسباني في عودة تلك الأرض المغتصبة بالتقادم. سكان مستعمرة جبل طارق الذين لا يكاد يصل تعدادهم إلى الثلاثين ألف نسمة، أي أقل من تعداد قرية مزدحمة قليلا، يعرفون أنهم لا يشكلون شعبا حقيقيا يمكنه ان يطالب بحق تقرير المصير كما يدعي بعضهم تطبيقا لقواعد القانون الدولي، الذي تطبقه الامم المتحدة أحيانا إذا كان هذا مرضيا للقوى الأمريكية المهيمنة وتتغاضى عنه لو شكل خطرا على مصالح تلك القوى. من يسمون أنفسهم بشعب جبل طارق ينتمون إلى أجناس تكاد تنتمي إلى شتات الأرض جميعا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ولا رابط حقيقي بين كل هذه الأجناس سوى المصلحة الاقتصادية، او بمعنى اصح المالية، أن ما يجمعهم ليس الحس الوطني ولا النشيد ولا العلم، بل جمعتهم مصلحة متغيرة غير ثابتة، بل والمصلحة المادية فقط، فهم في معظمهم من التجار الذين استفادوا من الوضع الخاص لتلك «الصخرة»ليحصلوا على مكاسب مالية لا يستطيعون الحصول عليها في أي مكان آخر، وان كان يمكنهم الحصول على مثلها في أي مكان آخر يطبق القوانين نفسها وهي كثيرة، من اول جزر الكايمان في الغرب وحتى مناطق الأسواق الحرة الموجودة في معظم مطارات العالم، أي ان سكان جبل طارق في معظمهم سكان مطارات متنقلة، ويمكنهم تبديل جوازات السفر بسهولة بتبدل جواز سفرهم المالي. وبما أننا نعيش في عالم المغالطات التي يفرضها من يملك أي من مقومات القوة ومنها التجارة الحرة الأساس في قوانين العولمة، قرر سكان جبل طارق استغلال مناخ المغالطات في المفاهيم والشعارات فرفعوا شعار «حرية التعبير»، ليؤكدوا أنهم يرفضون ما توصل إليه الجانبان صاحبا السيطرة الفعلية على الأرض التي يسكنون عليها: من ناحية الجانب الإسباني باعتباره الوطن الأم، وصاحب الملكية التاريخية على هذه الأرض التي تقف عليها المستعمرة، وفي أيديها قرار لجنة تصفية الاستعمار، ومن الناحية الأخرى الجانب البريطاني، باعتباره الجانب المستعمر لتلك الأرض دون وجه حق، أو حصل على هذا الحق في ظروف غير طبيعية، هذا الجانب يجب أن يسلم الأرض لأصحابها بعد أن أصبح تنفيذ قرار لجنة تصفية الاستعمار ملزما، وأيضا بعد أن فقدت الصخرة مكانتها العسكرية كقلعة استراتيجية في ظل انتماء إسبانيا وبريطانيا إلى حلف الأطلنطي والاتحاد الأوروبي، أي لم تعد لبريطانيا من حاجة للإنفاق على مكان لم يعد يشكل شيئا في استراتيجيتها المعاصرة. وبما أن هذا هو زمن المغالطات أيضا، قرر حاكم جبل طارق رفع شعار «حق تقرير المصير»، وهو حق لا يمكن قبوله، لأن من يريد تقرير مصير نفسه، لا يجب أن يعلن انتماءه إلى أرض أخرى وعلم آخر ونشيد آخر، فرعايا هذا الحاكم ينتمون أصلا إلى بريطانيا ويحملون جوازات سفر بريطانية، أي ملزمون بما تقرره الحكومة البريطانية كواجب من واجبات المواطنة، وفي هذه الحالة لا يحق لمواطن أن يرفع علم الدولة التي ينتمي إليها في أرض الغير ويطالب بحق تقرير المصير، لأن حق تقرير المصير يتطلب بالتالي التخلي عن الجنسية وجواز السفر الذي يحمله في جيبه، وأيضا العلم والنشيد الذي يتغنى به. رفع شعار حق تقرير المصير في حالة مستعمرة جبل طارق يشبه تماما مطالبة سكان المستعمرات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بتقرير مصير الأرض التي اغتصبوها بالقوة من الفلسطينيين، لأنهما في الحالتين اغتصبوا الأرض التي يقيمون عليها ويطالبون بها اغتصابا، أي أرض لا حق لهم فيها ولا عليها لأن أصحابها طردوا منها بالقوة وينتظرون أن تحين ساعة الحق والعدالة أو امتلاك القوة التي تفرض عودة الحق إلى أصحابه ليعودوا إليها، وحتى تحين تلك الساعة فمن لا يملك لا يستطيع أن يطالب بحق في ما لا يستحق. حالة مختلفة بالطبع هناك مناخ عام ساعد سكان جبل طارق على تقديم مسرحيتهم الكوميدية لإعلان رفضهم لعودة الأرض المستعمرة إلى الوطن الأم اسبانيا، ويتمثل هذا المناخ العام من جانب في خوف بريطانيا من إعلانها التمسك بالبقاء في المستعمرة مما يضعها في موقف حرج أمام الأعضاء الآخرين في الاتحاد الأوروبي، وفي الجانب الآخر حرص إسبانيا على أن يتم التوصل إلى اتفاق الجلاء البريطاني عن مستعمرة جبل طارق دون ضجة كبيرة حتى لا تتحرك المغرب لتطالب بجلاء إسبانيا عن مدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما في شمال المغرب، خاصة أن الحكومة المغربية تعلن دائما عن ارتباط المطالبة بتحرير هاتين المدينتين بتحرير مستعمرة جبل طارق. بريطانيا تعرف أن هناك قرارا من الأمم المتحدة باخلاء المستعمرة، وتعرف أيضا أن الحاجة الاستراتيجية لوجودها على ظهر هذه الصخرة لم تعد ملحة كما كانت في الماضي بعد أن تحولت إسبانيا إلى صديق ورفيق على درب حلف الأطلنطي، وأيضا لتطور أجهزة الرصد عن بعد التي يمكن القيام بها من خلال أقمار اصطناعية وغيرها بما يمكنها من مراقبة أية تحركات عبر مضيق جبل طارق. على الرغم من محاولة سكان جبل طارق استغلال مناخ المغالطات العولمية، فان تعارض المصالح بين بريطانيا باعتبارها حامي سكان الصخرة المستعمرة وبين مصالح هؤلاء السكان خلق نوعا من الإحساس بالمرارة، لان سكان المستعمرة يرون أن أفق وجودهم كمواطنين بريطانيين ضيق للغاية، وان السوابق في تاريخ السياسة البريطانية القريبة تؤكد ذلك، فلا يجب أن ينسى أحد أن بريطانيا سلمت مستعمرة هونج كونج للصين بعد طول استعمار، وان كانت هناك شروط تضمن بقاء تلك المستعمرة كسوق مفتوحة كما كانت دائما، وان كان المراقبون يرون أن حفاظ الصين على وضع هونج كونج القديم كمركز تجاري مفتوح حتمته حاجة بكين إلى الانفتاح على العالم الخارجي بعد التغييرات السياسية والاقتصادية التي هبت رياحها على العالم كله خلال السنوات الخمسة عشرة الأخيرة. من هنا يفسر الكثير من المراقبين تحركات سكان جبل طارق على أنها محاولة لتحقيق المكاسب نفسها التي حققها سكان هونج كونج قبل وبعد التخلي البريطاني عنها للصين. إلا أن الحالة هنا مختلفة تماما، خاصة أن إسبانيا لا ترى خيرا في وجود صخرة جبل طارق على النسق نفسه الذي عاشته حتى اليوم في ظل الاستعمار البريطاني، لأنه إذا كان سكان المستعمرة استفادوا من هذا الوضع كسوق تجارية حرة فإن إسبانيا كانت أول المتضررين من تلك السوق، وخسرت طوال هذه العقود الأخيرة المليارات من الدولارات بسبب تهريب الدخان والمواد الكحولية، وحتى التهرب من الضرائب التي كانت تمارسها شركات تعمل في الأراضي الإسبانية ومسجلة بشكل صوري في جبل طارق. بل أن تقارير وحدات مكافحة غسيل الأموال الأوروبية تؤكد أن مستعمرة جبل طارق بوضعها الحالي تلعب دورا سلبيا في هذا المجال، وأثبتت تلك التقرير أن جانبا كبيرا من عمليات غسيل أموال التهريب بكافة أنواعه التي تتم عبر الحدود الإسبانية تتولى مؤسسات مصرفية مسجلة في جبل طارق بغسيلها وإعادة إدخالها إلى البلاد ناصعة البياض. ليس هناك شك في أن ما جرى الأسبوع الماضي في مستعمرة جبل طارق مهزلة أو كوميديا سياسية ما كان لها أن تتم في عالم يدعي أنه يحترم الشرعية الدولية، ولكن جرأة سكان المستعمرة نبعت من إيمانهم بأن ليس كل ما يتم رفع شعاراته في التطبيق الديمقراطي مقدس، وأن العالم الغربي له ممارسات لا تختلف كثيرا عن ممارسات أكثر الدول تخلفا ودكتاتورية، لأن الاستفتاء غير ملزم لأحد، وما تتوصل إليه الحكومة البريطانية من اتفاق مع الحكومة الإسبانية ملزم لسكان الصخرة، ولهم الخيار بقبول الاتفاق أو مغادرة المكان إلى حيث يرغبون في الإبقاء على انتمائهم البريطاني. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا