الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 من أعز ما أذكره من حصيلة حياتي الاعلامية العملية، تلك المقابلات والحوارات التي سعدت وشرفت باجرائها مع نخبة كبيرة من الشخصيات العربية العامة وأعلام الثقافة العربية من مفكرين وشعراء وأدباء وفنانين، في الوطن العربي. ومن اهم ما كان يلفت انتباهي في كل شخصية، اللغة التي كانت تتحدث بها وتعبر بها عن افكارها، سواء من حيث سلامة النطق وصحة مخارج الحروف او الاصوات، او من حيث حسن الأداء والالقاء المبين كايقاع الكلام والوقفات والتلوين الصوتي، او من حيث صحة الاعراب ومراعاة قواعد ضبط حروف الكلمات ودقة الاشتقاق، وبخاصة فيما قد يتضمنه الحوار من نصوص فصيحة، او من حيث بلاغة اللغة وغنى ثقافتها الحديثة والتراثية معا. وبطبيعة الحال، كنت اصاب بالصدمة والاحباط من لغة بعض الضيوف، وبخاصة رجال اللغة والأدب منهم، الذين تبدو صورهم من كتاباتهم المنشورة، طيبة موحية بتضلعهم من قواعد اللغة وفنونها، لكن ـ مقابل ذلك ـ كم كان يسعدني ويشرح صدري حين كنت اسمع من بعض الضيوف لغة جميلة صافية راقية مثقفة، سواء العامي منها او الفصيح. ولم يكن هذا التميز المشرق مقصورا على لغة المفكرين والأدباء والشعراء، وانما شمل لغة غير المتخصصين في اللغة والأدب من رجال السياسة والطب والهندسة والفن والقانون والعلوم التطبيقية الاخرى، وكان ذلك ـ بالطبع ـ ثمرة حبهم للغة العربية واقبالهم على تثقيف ألسنتهم بالاطلاع على الكنوز المأثورة من المفردات والأساليب والتعابير والامثال والأشعار، وقبل ذلك كله، آيات القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة. لقد ادرك هؤلاء العشاق للغتهم العربية، انها قوام الشخصية، وعنوان العقل والفكر، وأجمل زينات الانسان في المجتمع، وهو ما عبر عنه الشاعر القديم بقوله: رأيت لسان المرء رائد عقله وعنوانه، فانظر بماذا تعنون ولا تعد اصلاح اللسان فإنه يخبر عما عنده ويبين ويعجبني زي الفتى وجماله فيسقط من عيني ساعة يلحن بل ان بعض الشعراء الحكماء، يعد لغة المرء أي لسانه نصف قيمته وحقيقته، فيقول: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم والحديث في هذا المجال طويل وطريف، والخواطر المتصلة به تترى متداعية، لكن لعل من أطرفها وأحدثها، ذلك الحديث التلفزيوني الذي افضى به منذ اسابيع الكاتب السياسي الاشهر والاستاذ، محمد حسنين هيكل، حيث اكثر فيه من الاستشهاد بأبيات شعرية مأثورة، عميقة الدلالة، مغنية عن طويل الشرح، وكان آخرها قوله ـ في حالة الغياب العربي المحزن في معمعة الاحداث المروعة على ارضنا: إني لأفتح عيني حين أفتحها على كثير، ولكن لا أرى أحدا وقد ذكرني هذا بحوار قديم كنت أجريته مع المثقف والمفكر العربي الكبير والعزيز الدكتور علي فخرو، حيث كان «يضمن» كلامه ـ في يسر وتلقائية ـ تعابير وأمثالا مأثورة واضحة الدلالة الى كل ما يرمي اليه من معان وعبر، ولست أنسى ايجازه البليغ في معرض حديثه ورأيه، بعد الدواهي التي توالت على أمتنا العربية، حيث قال: «بعد اللتيا والتي» وهو تعبير عربي قديم يكنى به عن الداهية الصغيرة (اللتيا) والداهية الكبيرة (التي). كذلك لا ينبغي ان ننسى بعض المراسلين الاعلاميين وبعض الكتاب الصحفيين، وبعض ضيوف البرامج الحوارية الاذاعية والتلفزيونية، ومنهم اجانب مستعربون او يتحدثون العربية بطلاقة، حيث يلفت الانتباه في لغة هؤلاء جميعا علاقتها الحميمة بالقواعد والمأثورات اللغوية التي تدل على غنى الثقافة اللغوية، وهو ما يتيح دقة التعبير، واليسر والايجاز، ووضوح البيان، وجمال البلاغة، وعمق الايحاء والتأثير، وكم كان احدهم ـ على سبيل المثال ـ رائع البلاغة، وهو يحذر من فرقة الدول العربية ازاء ما يتربص بها من الاخطار واحدة بعد أخرى، فيقول: يجب ان نتذكر المثل العربي القائل: «انما أكلت يوم أكل الثور الأبيض». ان «الاقتباس» و«التضمين» اي استعمال المأثورات الدالة من الآيات البينات والأحاديث الشريفة، والاشعار، والامثال والتعابير والاقوال، من التراث القديم والحديث والمعاصر، هو من اهم وأجمل فنون البلاغة والبيان، في لغتنا الشريفة بخاصة، وفي كل اللغات بعامة. وهذا موضوع جدير بخواطر خاصة.