الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 يستطيع أي أبله ان يدّعي انه الحفيد الخامس عشر لابي الطيب المتنبي، وبعد ذلك يمكنه ان يهدد بمقاضاة مؤلف ومخرج المسلسل تحت وهم ان العمل التلفزيوني اساء الى صورة جده الاكبر. ولن يمنع احد هذا الابله من اللف والدوران على المحاكم ليطالب بايقاف عرض المسلسل. ولأن هذه اللعبة تدر على صاحبها الكثير من الشهرة فباستطاعة هذا الابله ان يدّعي ايضاً انه ابن هولاكو الذي انجبه بعد تدمير بغداد، وأن امه اخفته عن الجميع بأمر هولاكو نفسه كي لا يقتله قادة جيشه او اعمامه. وقد يزعم ايضاً انه ظل مختفياً طوال قرون (!) عملاً بنصيحة امه. ورغم ان احداً لن يصدقه، فلن يجد هذا الابله حرجاً في رفع دعاوى تطالب بوقف عرض المسلسل لأنه خلا من اي مشهد لهولاكو وهو يغسل يديه بعد الاكل، ولأن المسلسل لم يظهره مرة واحدة وهو يستحم في نهر الفرات بعد تدمير بغداد، وهو ما يعني ـ في رأيه ـ ان المسلسل يشير ضمناً الى هولاكو بأنه قذر ولم يكن يحب النظافة.. وغير ذلك كثير وكثير. وقد يجد هذا الابله من هم على شاكلته فتكبر الكذبة وتتحول الى خبر وقصة وربما الى مسلسل جديد. هذه الاجواء بالضبط هي ما تصاحب اي عمل فني حول قصة حياة اي شخصية عامة في مجتمعاتنا العربية، خاصة مع رواج المسلسلات التي تحكي قصص حياة هؤلاء المشاهير، ومع تطور تكنولوجيا الصورة وتعاظم تأثيرها. فبمجرد الاعلان عن ان احد الكتاب او احد المؤلفين ينوي كتابة عمل فني عن حياة شخصية ما تبدأ المشكلات على الفور. وتصل الخلافات الى المحاكم التي تنشغل ـ رغماً عنها ـ بهذه التوافه. فالورثة لانهم في الغالب يريدون مالاً او لأنهم يبحثون عن الشهرة، فهم يحاولون فرض شروطهم على المؤلف ثم المنتج ثم المخرج ثم الجمهور ـ الذي يشاهد عملاً مملاً ومشوهاً ـ لأن الورثة يرفضون ظهور الاب او الجد او العم او الخال او زوج الام وهو يحلق ذقنه او يغسل اسنانه بالفرشاة او يمشط شعره او حتى يرتدي الجلباب، رغم اننا جميعاً نفعل ذلك يومياً، او لأن الورثة يريدون ان يكون لون الستائر في بعض المشاهد ازرق متموجاً بينما يريد المخرج او مهندس الاضاءة لوناً اخر.. وهكذا هي نوعية المشكلات. ولو ان كل كاتب او كل مؤلف استجاب لهذه الصغائر ما استطاعت الاجيال القادمة او ما استطاع النشء معرفة بطولات وحياة كبار قادتنا وزعمائنا وعلمائنا وادبائنا وفنانينا على حقيقتها. ولو انهم استجابوا لتلك الضغوط ورضخوا لاملاءات الورثة فسوف ينقلب حال الدنيا فنعرف تاريخاً معروضاً حسب الامزجة. فالورثة سوف يحذفون كل ما يرونه او يعتقدونه سلبياً، وسوف يضيفون ويزيدون ويبالغون في صفات وبطولات كبيرهم فيلعب الخيال دوره. وتبعاً لذلك قد نشاهد أبا العلاء المعري وهو يرشد طارق بن زياد الى الاندلس (رغم اختلاف الازمنة). وقد نرى ابن النفيس وهو يدرس الطب مع الخديوي اسماعيل. وربما نشاهد ابن سينا وهو يحارب مع قطز في موقعة عين جالوت.. وهكذا فلن يخلو الامر من مبالغات ومغالطات. وحتى لا يضطر الكتاب والمؤلفون الى السقوط في هذه الاكاذيب ـ رغماً عنهم ـ فمن واجب كل شخصية مشهورة يمكن ان تتحول قصة حياتها الى عمل فني ـ ان تكتب في وصيتها «اعزائي الورثة: تكفينا مشاكلكم عندما كنا على قيد الحياة». ولكن هذه الكلمات قد لا توقف ألاعيب الورثة لأنهم سيمزقون الوصية فور العثور عليها ويكتبون غيرها «اوصي بأموالي لسيد وعلي وخليل وفريدة، اما سعاد وحميدة وسالم وسمير فمهمتهم مضايقة المؤلف والمخرج والمنتج، ومطاردة الممثل في المحاكم»!