الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 ونبقى مع أبي الطيب المتنبي في رحلة المستحيل والطموح واعلاء شأن الذات والسعي في كل الاتجاهات والجهات وراء الحلم الممنوع! لقد كان أبو الطيب مثالاً للمثقف العربي، بكل تناقضاته، ومثالاً للانسان العربي بكل تميزه وخصوصيته وانكساراته كذلك، وهنا نتساءل: هل كان المتنبي يوظف ثقافته وشعره لتحقيق غرضه في الوصول الى الإمارة تماماً كما هو حال المثقف العربي دائماً في علاقته بالسلطة؟ وهل كانت رغبة المتنبي في الامارة أو السلطة انحيازاً شخصياً لذاته وأطماعه وأهواء النفس المتعطشة للنفوذ والسلطة أبداً؟ أم ان طموح الإمارة في نفسه كان قنطرة عبور لتحقيق فكرة الاصلاح والوحدة العربية في مواجهة اخطار الروم وغيرهم؟ وكشأن المثقف العربي في كل زمان ومكان من الجغرافيا العربية، فإن المتنبي لم يستطع أن يبني مملكة أحلامه ولا أن يشحذ أدواته ـ وهي هنا شعره الفذ ـ بعيداً عن سطوة ومناخ السلطة، فتصالح مع ذاته وفق معادلة قائمة على تبادل المنفعة مع الأمراء والسلاطين الذين جاب اماراتهم وحل ضيفاً على بلاطاتهم، والمنفعة كانت ترتكز في ذهنية الاثنين ـ المتنبي والأمراء ـ على توظيف الثقافة ونفوذ كلمة المثقف وشعره، لكن الغاية كانت مختلفة عند الاثنين، فبينما كان المتنبي يعتقد بأنه سيحظى من وراء هذا التوظيف (البراغماتي) على الامارة التي يطمح اليها، كان الأمراء مقتنعين بأن المتنبي ما هو إلا رجل يملك ما لا يملكه غيره من نفوذ الشعر وقوته، وبأنه شاعر تحركه أطماعه وأهواء نفسه التي لا تؤتمن، ولذلك فإن المال يكفيه، أما الامارة فلم يفكر أحدهم في منحها له. إن شروط السلطة واعتباراتها تختلف جذرياً عن مطامع شاعر مغامر يرى بأنه من العنفوان والقوة والشجاعة وتعظيم الذات ما يجعل الخيل والليل والبيداء تعرفه وكذلك السيف والرمح والقرطاس والقلم، فلم يدع مجداً وتعظيماً لأحد بعده، وهذا ما لم تتسامح معه بلاطات الأمراء والسلاطين في زمانه، فهل كان أبوالطيب جاهلاً بهذه الحقيقة، أم انه كان مدركاً لها تماماً لكنه كان شديد الغرور بذكائه معتقداً بإمكانية اختراق منظومة المصالح السياسية، واعتبارات السلطة وتقديراتها واحتياجاتها؟! هل كان المتنبي متطرفاً في غروره؟ أعتقد انه كان متطرفاً في تقييمه لذاته ولقدراته، ومقتنعاً تماماً بحقه المطلق في الامارة؟ وهل كان المتنبي سينجح أميراً ويعلو نجمه على كرسي السلطة، كما تألق شاعراً عبقرياً أسطورياً؟ هل كان كرسي الامارة سيدع لهذا المغامر الجسور ان يجمع بين ناصيتي الشعر والسلطة معاً على قدم المساواة؟ ثم هناك سؤال أهم: هل كان المتنبي شاعراً ومثقفاً براغماتياً (نفعياً انتهازياً) على غرار مثقفي السلطة في الشارع العربي اليوم؟ وهل هذه هي الطريقة الوحيدة ـ أقصد توظيف الثقافة ـ لتحقيق الأحلام والطموحات؟ ما هي وظيفة المثقف في المجتمع العربي؟ وكيف يمكنه القيام بها طالما انه يعيش حالة ارهاب واضحة تتجلى باحتياجاته الكثيرة، وبفقر واقعه عن توفير هذه الاحتياجات بعيداً عن اهدار الكرامة على البوابات والموائد، فيصبح وكأن العدو من أمامه والبحر من خلفه، فماذا يصنع؟ هل يصنع كما صنع المتنبي حتى ينتهي في النهاية على يد حفنة من قطاع الطرق أم يضيع مضيعاً فكرته وثقافته وذاته لأجل معادلة صعبة؟