الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 لا أظن أن الكثيرين سيهتمون لو قرأوا (هكذا يتكلم الأدباء الشباب في الوطن العربي). ولكن ما جعلني أهتم أن هذا العنوان كان مكتوبا منذ ثلاثة وثلاثين عاما بالضبط ! أحسست بالرعشة تسري في جسدي. إنها لحظة خاصة جدا. ها أنا أتسلل إلى عالم « كبار» الكتاب الآن ولكن منذ ثلاثة وثلاثين عاما. ليس هذا فحسب لقد قرأت هذه الشهادات للتعليق عليها والتي أستغرقت نحو ثمانين صفحة من مجلة كبيرة الحجم. وبالطبع لا أذكر ما قرأت ولا أذكر من هم الأدباء الشباب الذين تكلموا آنئذ وأظن أنني لم أكن اعرف منهم أحدا آنذاك المجلة التي قامت بهذا التحقيق الهام هي مجلة « الطليعة» التي كانت تصدر عن (الاهرام) أيام كان يديرها محمد حسنين هيكل.وكان يرأس تحرير (الطليعة) لطفي الخولي الذي صبغ المجلة بصبغة يسارية واضحة ومؤثرة ولطفي الخولي هو الذي تحول بعد ذلك إلى مجموعة كوبنهاجن التي تدعو للتطبيع مع إسرائيل.وما أبعد الموقف الثاني عن الاول. وكانت اعداد مجلة (الطليعة) التي توقفت عن الصدور بعد صدام مع السلطة في بدايات الرئيس السادات موجودة في أحد بيوت الأسرة بعد تضخم المكتبة ومنذ بداية هذا العام وأنا أبذل جهدي في استعادة المكتبة لتكون في مكان واحد. وكنت أنقل أعداد المجلة إلى مكانها دون تفكير في النظر إلى ما داخلها فلا وقت لذلك ، فضلا عن أنني قرأتها آنئذ وما عاد فيها ما يجذبني إليه ، ولكن نظراتي أصطدمت بهذا العنوان « هكذا يتكلم الأدباء الشباب» وكغيري ما كنت أهتم لولا أن تساءلت: من هم هؤلاء الأدباء ؟ وماذا أصبحوا الآن ؟ لقد أدركت أنني في زاوية نادرا ما يكون الإنسان فيها كما لو كانت آلة الزمن تعيد الماضي. أربعون أديبا شابا تألق بعضهم ودونت أسماؤهم واختفى بعضهم. الأردن شاركت بكاتب واحد هو فايز محمود ولقد دهشت للاسم فأنا متابع بشكل طيب للنشاط الثقافي في الوطن العربي ، ومع ذلك لا أذكر الاسم ولقد سألت بعض أصدقائي الأردنيين فإذ بهم مثلي لا يعرفون.ولم يكن بالطبع الاسم الوحيد الذي ضاع مع الزمن. ومن المدهش أنني كنت أجهل الأسماء كلها ـ غالبا ـ آنئذ، لكن نشأت صداقة بيني وبين ثلاثة من هؤلاء الكتاب: اثنان من سوريا وواحد من فلسطين. أول من عرفته من هؤلاء الثلاثة هو الدكتور رياض عصمت ، وهو الآن معاون وزير الثقافة ، وأستاذ أكاديمي ، وعميد معهد الفنون المسرحية السابق ،ومؤلف عدد كبير من المسرحيات والروايات والقصص والكتب النقدية ،وصاحب عدد من البرامج التليفزيونية.. لكنه لم يكن كذلك في عام 1969 فلقد كان كل ما نشره بعض القصص والمقالات في النقد المسرحي، نشرها في المجلات الثقافية.وكان عمره 23 عاما ويعمل محررا في قسم الاخبار بالإذاعة. ودخله الشهري 375 ليرة سورية فكرت أن أتصل بالدكتور رياض عصمت لأسأله هل مازال يتذكر الشهادة التي تكلم بها في مجلة (الطليعة) ثم فضلت أن يقرأ هذا الحديث في (البيان). وكنت قد تعرفت على رياض عصمت في عام 1977 عندما شاركت في مهرجان دمشق المسرحي باولى مسرحياتي (حفلة على الخازوق) وأذكر أنه أجرى معي مقابلة تليفزيونية وكنت آنئذ أخاف الكاميرا وأتمنى أن تنشق الأرض لأختفى.. وأظنني لم أتغير كثيرا. ونصف المرات التي التقيت فيها برياض كانت في مهرجانات مسرحية، وكان غالبا مشاركا في لجان التحكيم. وأذكر في جلسة على العشاء في دمشق أنه اتفق وصديق حميم هو رياض نعسان أغا على أن أهلهما أطلقوا عليهما اسم (رياض) اعجابا برياض السنباطي وأنا أعرف أن للسنباطي مكانته في العالم العربي كله، لكنها كانت المرة الأولى التي اعرف مدى شعبيته في سوريا. وبعد سنوات عرفت سعد الله ونوس. كان أكبر سنا من رياض بخمسة أعوام وأقل مرتبا بخمس عشرة ليرة. ولقد عرفنا اسم سعد الله ونوس لأول مرة مع مسرحية « حفلة سمر من أجل 5 حزيران» ولم نحضر المسرحية لكننا قرأنا عنها كأننا حضرناها.وحتى قراءة الشهادة كنت أظن أن المسرحية عرضت في 1967 ولكن ها هو سعد الله يقول عنها في عام 1969 أنها لم تنشر حتى الآن. ومن الواضح أن سعد الله ونوس كان أكثر جيله من الكتاب إخلاصا للمسرح وذات مرة سألني أن نجلس وحدنا ليحدثني في موضوع خاص وإذ به يرجوني في إخلاص شديد أن أبعد عن الكتابة للتليفزيون لأنها تبعدني عن المسرح.وفي مرة ثانية حضر ندوة قلت فيها عن المسرح أنه تأثر بالتليفزيون مثلما تأثر من قبل بالسينما وأستاء سعد الله من أية مقارنة بين المسرح وغيره من الفنون. وكنا ندرك معدن سعد الله ونوس لكن المرض كشف للدنيا عن هذا المعدن.. فلقد ظل يقاوم المرض ويعمل حتى آخر لحظة في حياته. الصديق الثالث هو الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي وكان عمره آنئذ خمسة وعشرين عاما ويعمل مدرسا بالكويت بمرتب قدره خمسة وتسعون دينارا ولا أظن أن مريد الآن له دخل ثابت فهو يعمل هنا وهناك وفي شهادته يقول ان أعماله المنشورة قصائد وان أعماله غير المنشورة ديوان (طائر التلال القابضة) ولكن مريد ملأ العقود الماضية بشعره وحضوره الثقافي. ولقد عرفت عن قرب السيدة ملاحة الخاني وأظنها من أكثر الذين تضرروا من المعلومات التي قدموها عن أنفسهم فلقد ذكرت أنها في الثالثة والثلاثين من عمرها وبالتأكيد لم تتخيل أنه بعد ثلاثة وثلاثين أخرى ستجد من يقرأ المجلة ليحسب عمرها.ولقد قرأت لملاحه الخاني رؤية وبعض القصص القصيرة وأظنها مازالت تتابع نشاطها. ومن الأدباء «الشبان» مجموعة تمنيت أن أتعرف بها خلال السنين الماضية منهم عبد العزيز المقالح (اليمن) وكان عمره آنئذ تسعة وعشرين عاما.ولم يكن قد حصل على الدكتوراه بالطبع، ولا اصبح الأكاديمي والشاعر والناقد الشهير، وكذلك القاص الكبير عبد الرحمن مجيد الربيعي (العراق) عائد خصبان (العراق) خديجة صفوت (السودان) هاني الراهب (سوريا) فاروق البيقلي (لبنان) وغيرهم. ولا أظنك غير متنبه إلى أنك أمام موضوع رواية جيدة ذات جو طريف. فها هم أربعون كاتبا ناشئا يبدأون من إطار مجلة هامة أودت بها السياسة،وينطلقون في حياة صاخبة. بعد هذه الاحداث بنحو عشرة أشهر توفي جمال عبد الناصر وبدأت المنطقة كلها في مرحلة جديدة.وفي 1973 أنتصرت الجيوش العربية على إسرائيل.وبعدها بقليل بدأت تصفية الكيان العربي حتى وصلنا ما وصلنا إليه وسنصل إلى مالا نرجو أن نصل إليه. إنها قصة الفكر في عصر الإمبريالية الأميركية والكيان الصهيوني، وكيف يبدأ ويتعثر،ويثور، ويحتضر، لكنه يأبى أن يحتضر بسهولة. وكنت أريد أن أحدثك عمن ضاعوا في الطريق: هؤلاء الذين قالوا شهاداتهم بأمل كبير، لكنهم توقفوا وخشيت أن أزيد آلامهم ألما ولعلهم يحكون هم قصتهم ذات يوم.. إذا كانوا على قيد الحياة.