الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 شينتارو إيشيهارا سياسي ياباني كبير أثار جدلا شديدا في اليابان وخارجها في نهاية الثمانينات عندما رشح نفسه لرئاسة الحزب الليبرالي الديمقراطي في اليابان. وسبب الجدل أن ترشيحه لهذا المنصب سلط الأضواء على كل أعماله وكتاباته وضمنها كتاب كان حصيلة مناقشات مشتركة بينه وبين أكيو موريتا رئيس مجلس إدارة شركة «سوني» وحمل عنوان: «اليابان تستطيع أن تقول لا» أو (اليابان لم تقل لا). وبسبب رد الفعل الأميركي العنيف على الكتاب الذي كان رسالة جريئة للولايات المتحدة مفادها أنها ليست القوة الكبرى الوحيدة في العالم، قرر أكيو موريتا أن يوقف طباعة الجزء الذي يخصه خوفا على مصالح شركته من انتقام أميركي، بينما خاض شيتنارو إيشيهارا المعركة حتى النهاية، وأصبح رمزا للتحدي الياباني الذي تواجهه الولايات المتحدة. وقد عاد اسم شينتارو إيشهارا ليحتل واجهة المشهد السياسي الياباني بعد أن أصبح حاكما لمدينة طوكيو متمتعا بشعبية جارفة تجعله مرشحا لمنصب رئيس وزراء اليابان بتصريحات ينتقد فيها الولايات المتحدة لا تقل حدة عما أورده في كتابه الشهير: «اليابان تستطيع أن تقول لا». فقد خصصت مجلة «بينغيشونجو» اليابانية الشهرية المحافظة ملفا عن الولايات المتحدة يبلغ حجمه مائة صفحة تحت عنوان «أميركا تفقد مصداقيتها». و لم تترك المجلة اليابانية شيئا عن التوجه الأميركي الجديد للهيمنة عالميا إلا وأثارته، بدءا من السيادة الخارجية والمعالجة على «الطريقة الأميركية» للملفات الدولية العالقة، ومرورا على دور الدعاية السيئ في «حرب الإرهاب» وانتهاء بوسائل الإعلام «المسايرة للتيار» اليميني. وكان أكثر ما ورد في الملف إثارة لاهتمام الرأي العام تصريح شينتارو إيشيهارا الذي يقول فيه إن «الولايات المتحدة في الطريق لأن تصبح إمبراطورية مغولية جديدة، هدفها ليس تسيير العالم فحسب بل الهيمنة عليه بالقوة دون أن تتمكن من تثبيت نظام جديد». وغني عن البيان أن العلاقات الأميركية اليابانية أحد أكثر القضايا حساسية في اليابان منذ عام 1945، فهناك تيار متنام في المجتمع الياباني يدعو إلى علاقات متوازنة بين البلدين تتخلص فيها اليابان من عقدتها القديمة، ويمثل إيشيهارا أحد أهم رموز هذا التيار الجديد. ومازال شينتارو إيشيهارا يطرح الأسئلة التي سبق أن طرحها في كتابه وقد جعل عنوان الفصل السادس منه: «شريكان أم سيد وعبد؟» وهو يطرح السؤال نفسه في الملف المشار إليه ويجيب بقدر كبير من الجرأة ويكشف دون مواربة عن التعامل الحقيقي - في نظره - الذي تبديه واشنطن تجاه أوروبا والصين واليابان، فتلك دول إما أنها «كم لا وزن له» في أحسن الأحوال، أو «عدو محتمل». وهو يخشى أن اهتمام أميركا بروسيا على حساب آسيا يدفع باليابان للتقارب مع الصين، وهو سيناريو «كارثي» على حد قوله! وهو يرى أن القوة الأميركية العسكرية والتكنولوجية لا تعني استبعاد انتقال مركز القوة الاقتصادية العالمية إلى مكان آخر، ولا يستبعد أن يكون هذا المكان اليابان. وهذه اللغة الجديدة على الثقافة والسياسة في اليابان يجب أن تحظى باهتمام كبير من صانع القرار العربي الذي يبدو حائرا أمام متغيرات السياسة الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر. والموقف الألماني من الرغبة الأميركية في تنفيذ عمل عسكري ضد العراق دون تفويض من الأمم المتحدة يعكس التحول نفسه بشكل مختلف بعض الشيء. فألمانيا بقيت لعقود تحكمها في علاقتها بالولايات المتحدة العقدة نفسها، ورغم ما أنجزته من نجاحات اقتصادية ضخمة جعلتها أحد عمالقة الاقتصاد في العالم، ما زالت تشعر أنها في عالم السياسة من الأقزام. ومحاولات مواجهة الرغبة الأميركية في الهيمنة ستكون أهم ما يشغل منطقتنا في السنوات المقبلة، لكن ليس عبر المراهنة على منافسي الولايات المتحدة التقليديين (روسيا - الصين - فرنسا) بل عبر الاهتمام الجاد بالقوى الصاعدة القادمة من عالم الاقتصاد بإنجازات ضخمة وبخاصة اليابان وألمانيا، وهو ما يرشح شينتارو إيشيهارا بقوة لأن يكون أحد أهم نجوم السياسة في عالم الغد. ـ كاتب مصري