الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 في ظروف صعبة جدا واستثنائية يمر بها العالم العربي، يتساءل المرء عن المثقف والمنظر والمفكر العربي؟ أين هو؟ ما هو دوره في المجتمع؟ ما هو موقفه مما يحدث من حوله؟ ما هي اتجاهاته وآراؤه حول الاهانات والابتزاز والاستغلال الذي تتعرض له الأمة العربية؟ ما هو شعوره بعدما تحرك الشارع الأوروبي والشارع الأميركي ضد الحرب على العراق والشعوب العربية من المحيط الى الخليج غارقة في سبات عميق؟ أين هو المثقف العربي من تواطؤ بعض الانظمة العربية مع أميركا والقوى الغربية في تصفية وإهانة والقضاء على الثوار والمناضلين ورجال المعارضة؟ إن ما نلاحظه في الوطن العربي هذه الايام هو عبارة عن شلل تام في المواجهة والتصدي والرفض لما آلت اليه أمة بكاملها. أطفال ابرياء يقتلون ويعذبون ويموتون يوميا في فلسطين والعراق وغيرهما من الدول العربية، قيادات سياسية وحزبية وقوى مضادة تهمش وتسجن وتتم تصفيتها بدون سابق انذار، كل هذا يحدث في جو من الاستسلام والتفرج السلبي على انهيار او موت بطيء لأمة بكاملها. إشكالية المثقف ودوره وأزمته ومكانته في المجتمع تبقى من الاشكاليات المهمة والرئيسية المطروحة على الساحة الفكرية والثقافة والسياسية في وطننا العربي. هل من مكانة للمثقف في مجتمع يفتقد لمستلزمات التفكير والتعبير عن الرأي والحوار والمناقشة والحريات الفردية وحرية الصحافة وما إلى ذلك من مستلزمات وضرورات وشروط الانتاج الفكري الناضج الذي يستطيع ان ينظر ويؤسس للتطورات والتحولات المهمة والمصيرية في المجتمع؟! اغتراب المثقف التجارب التاريخية في وطننا العربي تشير الى مرض الاغتراب والتهميش والاقصاء الذي عانى ومازال يعاني منه المثقف العربي عبر الاجيال والعصور، ففقدان الحرية والديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان كلها عوامل ادت الى اغتراب المثقف العربي وتهميشه، سواء داخل وطنه حيث اصبح من الغرباء فيه لا يتعرف عليه ولا يتفاعل معه كما ينبغي لانه اذا فعل ذلك مصيره يكون مجهولاً، او اننا نجده يلجأ الى الهجرة طلبا للحرية ولمتنفس يجد فيه مجالاً للتفكير والابداع، لكن تبقى الغربة والعيش خارج المحيط الطبيعي للمثقف بمثابة الموت البطيء. والمثقف مهما كانت الصعاب والمشاق والمشاكل والعراقيل يبقى دائما مسئولا ازاء مجتمعه لتحقيق الأهداف النبيلة التي يناضل من أجلها، وهي العدالة والمساواة والحرية والقيم الانسانية النبيلة ومن اهمها توفير الظروف المناسبة للفكر والابداع. اشكال آخر مهم جدا ضمن سياق ظاهرة اغتراب المثقف يتمثل في الرقابة الذاتية وممارسة الانسلاخ الارادي والمباشر من المجتمع والعيش في ضفافه وقشوره، وهذا موت بطيء أخر يعاني منه المثقف العربي وهو نوع من الانتحار، حيث لا يستطيع المثقف ان يجرؤ على التعبير عما بداخله ولا يستطيع ان يضع افكاره في خدمة المجتمع وفي خدمة المهمشين والمحرومين. فالاشكال هنا يتمثل في التقرب من السلطة وهذا يعني بعبارة اخرى الانسلاخ عن الجماهير، او التقرب من الواقع ومن الجماهير وهذا يعني غضب السلطة على المثقف واسكاته او تهميشه بطرق مختلفة، البعض منها معلن والبعض الاخر سري وضمني. وفي كل هذا نجد ان المجتمع في نهاية المطاف هو الخاسر الكبير لأن المجتمع الذي لا يملك نخبة من المثقفين العضويين ونخبة من المفكرين تنظر وتنتقد وتقف عند سلبياته وهمومه ومشاكله وتناقضاته وافرازاته المختلفة، لا يستطيع ان يكون مجمتعاً يتوفر على شروط النجاح والابداع والتحاور والنقاش البناء والجاد بين مختلف الفعاليات والشرائح الاجتماعية. وآليات الاتصال داخل المجتمع مهمة جدا، فكلما كانت مرنة وسلسة ويسيرة كلما نجم عنها التفاهم والوئام والوصول الى الافكار النيرة. لكن كلما تعقدت آليات الاتصال والتواصل في المجتمع وكلما اصبحت عسيرة ومفتعلة ومتملقة ومنافقة كلما زادت مشاكل المجتمع وتفاقمت وكلما زاد سوء الفهم وانعدم التفاهم والحوار واحترام الآخر. هذا ما يقودنا للكلام عن الثقافة التي افرزتها القوى المختلفة في المجتمع، فهذه الثقافة هي بكل وضوح ثقافة التبرير والتملق والتخدير والتزييف، وكأن الهدف في نهاية المطاف هو تجهيل الرأي العام وتخديره بدلا من توعيته والرقي به الى مستوى الفعل والمشاركة في صناعة القرار وفي تحديد مصيره ومكانته بين الشعوب والأمم. ما هو دور المثقف في المجتمع؟ وما هي علاقته بالسلطة؟ اسئلة تفرض نفسها في وطننا العربي وخاصة في الازمات المتعاقبة والعويصة التي تعيشها الأمة العربية من المحيط الى الخليج. في البداية نتساءل عن مكانة المثقف في المجتمع وعن وضعيته وعن الدور الموكل اليه. ولماذا نتكلم دائما في وطننا العربي عن ازمة المثقف؟ لماذا مثلا لا نتكلم عن المثقف العضوي في المجتمع، المثقف الحقيقي الذي ينتقد ويقف عند هموم وشجون المجتمع، المثقف الذي يعمل على تغيير الواقع وليس تكريسه، المثقف الذي يساهم في صناعة الفكر والرأي العام، المثقف الذي يحضر مجتمعه شعبا وقيادة لمواكبة التطور الانساني والحضاري والتفاعل الايجابي مع ما يحدث في العالم؟! في البداية يجب الاشارة الى ضرورة النظر الى المثقف كجزء فرعي من نظام كلي وهو المجتمع، ونتساءل هنا هل المثقف ينتج المجتمع أم انه جزء من المجتمع؟ فالمثقف عادة ما يكون مرتبطة بواقعه وبمجتمعه يتفاعل معه، يؤثر ويتأثر به. لكن الاشكالية التي تطرح هنا تتمثل في ماهية وطبيعة العلاقات التي يقيمها المثقف مع الجهات المختلفة الفاعلة في المجتمع. وهنا نقف عند علاقة المثقف بالسلطة، هل هي علاقة تملق وذوبان في هذه السلطة ام انها علاقة احترام متبادل وبذلك امكانية التأثير وابداء الرأي والاختلاف وصولا الى علاقة التضاد؟! ما هي إذا علاقة المثقف العربي ببيئته؟ اي علاقة المثقف بالسلطة وعلاقة المثقف بالجمهور وعلاقة المثقف بالقضايا اليومية للمجتمع وعلاقة المثقف بالقضايا الطارئة. ففيما يتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة بقيت الأمور على حالها رغم المطالبة بتجسير الفجوة الموجودة بينهم، والمحاولات القليلة التي سجلت كانت مع الأسف الشديد من قبل المثقفين ازاء السلطة ومن جهة واحدة الأمر الذي يدعي الى التشاؤم والتحسر على واقع سلبي للغاية في عصر العولمة والثورة المعلوماتية. فالمثقف في هذه الظروف يبقى اسير نفسه يعمل ليل نهار على ارضاء السلطة والتنظير لها وتبرير كافة اعمالها سواء كانت صائبة ام خاطئة. هذه النوعية من المثقفين تسمى بأشباه المثقفين Pseudo-intellectuals واذا انتشرت في المجتمع فإنها تنشر ثقافة الاستسلام والرضوخ وثقافة التملق والنفاق والقضاء على بذور الديمقراطية من اساسها لأن الديمقراطية تقوم على المعارضة والاختلاف في الرأي ولا معارضة ولا رأي بدون فكر ولا استقلالية في التفكير بدون حرية وبدون مباديء. علاقة معتلة أما عن علاقة المثقف بالجمهور فالمعادلة هنا واضحة جدا فكلما اقترب المثقف عن السلطة كلما ابتعد عن هموم ومشاكل ومطالب الجماهير، وكلما كرس اهتمامه لارضاء السلطة وتبرير اعمالها وأفعالها، وكلما اصبح همه ذاتيا كلما انسلخ نهائيا عن واقعه الحقيقي وعن دوره الاستراتيجي في المجتمع. ومن هنا نلاحظ ان القضايا الرئيسية والمهمة والقضايا الحيوية الاساسية تكاد تنعدم في اجندة المثقفين العرب وما يطرح ويناقش لا يرقى الى مستوى الطرح الجريء والموضوعي والناقد. واخطر ظاهرة نعيشها في ايامنا هذه وفي القنوات الفضائية العربية والتي اصبحت تدعي الكمال والحرية والطرح الشجاع هي ظهور اشباه المثقفين لمناقشة مواضيع مهمة وحساسة بطريقتهم الخاصة، طريقة التبسيط والتسطيح وفي بعض الاحيان الخدش والشتم والتشهير. أما عن علاقة المثقف العربي بالأحداث الآنية واحداث الساعة فنجد التباطؤ احيانا والسكوت احيانا اخرى او انتظار الاشارة الخضراء من السلطة للتعبير عن وجهة النظر او الرأي. وما نلاحظه احيانا اخرى ان هذا المثقف يختفي تماما اذا تعلق الأمر ببلده او سلطانه ويبرز عضلاته اذا تعلق الأمر بدولة عربية ليست بدولته رغم ان هذه الدولة العربية ـ التي يوجه لها الانتقادات التي تصل في بعض الاحيان الى قلة الحياء وإلى الشتم والسباب ويقدم لها الدروس والوصفات السحرية ـ تكون في معظم الأحيان أحسن بكثير من الدولة التي ينتمي اليها ويتملق ليل نهار لسلطتها. أين نحن إذا من تحديات الألفية الثالثة ومن القضايا المصيرية التي تواجه وطننا العربي وحالة المثقفين في هذا الوطن الكبير على ما هي عليه من اقصاء وتهميش واستئجار، سواء تعلق الأمر بالمثقف المهاجر او المغترب او المستأجر او المهمش او الذي اقصته القوى الخفية ومسحته من خريطة المجتمع؟! حالة لا تستطيع ان تؤهل المثقف مهما كانت فصيلته من القيام بذلك الدور الريادي في المجتمع، ذلك الدور الذي حدده نعوم «تشومسكي» في اشهار الحق في وجه السلطة، والذي حدده الفيلسوف الايطالي «غرامشي» في دور المثقف العضوي الذي يحمل هموم المحرومين والمهمشين والذي ينظر وينشر الوعي والفكر من اجل انتصار الغالبية العظمى في المجتمع على القلة القليلة التي تتلاعب بثرواته وخيراته. مسئولية المثقف العربي تزداد يوما بعد يوم في عصر لا يرحم وفي عصر زالت فيه الحدود بين الدول وزالت فيه الطرق البوليسية والمخابراتية في الرقابة والاستعباد والاستئجار، فعصر المعلومات فرض ويفرض نوع جريء من المثقفين يتمتع بالتفتح والحوار وبالنقد والنقد الذاتي وبالموضوعية والأمانة العلمية وبالجرأة في الطرح والتحليل والنقاش بعيدا عن المصالح الذاتية والحسابات الضيقة. فمن حق الشعب العربي ان ينعم بمثقف يكون في مستوى الطموحات والتحديات ويكون عند حسن ظن هذه الجماهير التي لا تنتظر سوى اتاحة الفرصة لمنافسة الشعوب المتطورة والمتقدمة واللحاق بعجلة التطور والتقدم والازدهار. فلا مستقبل لأمة بدون مفكرين ومثقفين ومنظرين ينتقدون الباطل ويدافعون عن الحق ويحملون هموم المحرومين والمهمشين بعيدا عن شهوات ونزوات السلطة. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة