الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 «اسرائيل يجب ان تحتفظ بالضفة الغربية لأن هذا امر إلهي»! عندما يصدر مثل هذا القول الكاسح عن أحد الحاخامات الملتفين حول ارييل شارون فإنه قد لا يستوقف أحداً لكثرة ترداده وتداوله. لكن القول يصدر هذه الايام عن شخصيات اميركية تدين بالمسيحية. هذه هي الظاهرة المتنامية في الولايات المتحدة منذ «احداث سبتمبر» والتي يطلق عليها «المسيحية الصهيونية» او «الانجيليون الصهاينة». فما هذه الظاهرة؟ وما هدفها؟ وما هي طبيعة تأثيرها على توجهات السياسة الاميركية نحو اسرائيل؟ التأييد المسيحي لاسرائيل في الغرب عامة وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص سابق على احداث سبتمبر 2001 بالطبع. لكنه ظل ذا طابع سياسي صرف تقريبا لأنه لم يكن منطلقا من اعتقاد ديني. الآن اختلف الامر ذلك ان حركة «المسيحية الصهيونية» تقدم طرحها لتأييد الدولة اليهودية انطلاقا من اعتبارات دينية بحتة. والخط العام لهذا الطرح هو تفسير جديد لنصوص في الانجيل يربط بين قيام دولة لبني اسرائيل وبين عودة المسيح. فالحدث الاول هو مقدمة «حتمية» للحدث الثاني كما يقول هذا التفسير. وبالتالي فإن قيام دولة اسرائيل في عام 1948 هو امر «إلهي» محسوم في «الكتاب المقدس»! ومن ثم بات مفروضا وفقا لهذا التفسير، على كل مسيحي ان يؤيد الدولة والا فإنه سيكون واقفا على الجانب الخطأ عند عودة المسيح! لماذا كان توقيت هذه الظاهرة في اعقاب احداث سبتمبر؟ بمثل ما استغل اليمين الاسرائيلي ممثلاً في ارييل شارون الحرب العالمية الاميركية «ضد الارهاب» لشن حملة ابادية ضد الفلسطينيين رأى قادة «المسيحية الصهيونية» في حرب «الارهاب» فرصة تاريخية نادرة الحدوث لحشد العقيدة المسيحية لصالح اسرائيل راكبين بذلك موجة العداء الشامل للاسلام والامة الاسلامية التي تنطوي عليها الحملة الاميركية العالمية ضد «الارهاب». القيادة العليا لحركة «المسيحية الصهيونية» تتمثل في اثنين من كبار القساوسة الاميركيين: بات روبرتسون وجيري فالويل. والربط بين دعم اسرائيل والحملة ضد الاسلام رأيناه في تصريحات علنية للقس فالويل شن فيها هجوما مكشوفا على نبي الاسلام محمد صلى الله عليه وسلم ووصفه الاسلام بأنه دين عنف وعدوان. على الصعيد العملي يعمل المسيحيون الصهاينة على جمع تبرعات لصالح اسرائيل بعشرات الملايين من الدولارات بينما يمارسون ضغوطا منتظمة على الادارة الاميركية والكونغرس كي تدعم الولايات المتحدة المشاريع الاسرائيلية الحالية والمستقبلية لتوسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. فالضفة الغربية هي «الارض المقدسة» الموعودة «إلهيا» لليهود. ووفقا للصحافة الاميركية فإن قادة المسيحية الصهيونية يعقدون اجتماعات اسبوعية بانتظام مع مسئولي السفارة الاسرائيلية في واشنطن. ومن خلال ما نرى ونسمع منذ «أحداث سبتمبر» نستطيع ان نقول ان الحركة تمكنت بالفعل من فرض اجندتها على ادارة بوش. نعلم بالطبع ان الولايات المتحدة، على تعاقب اداراتها ظلت تنتهج تجاه الصراع العربي الاسرائيلي انحيازا واضحا للطرف الاسرائيلي. لكن الجديد في الامر الآن هو ان هذا الانحياز انتقل إلى مستوى تحالف علني ضد الشعب الفلسطيني، اولا على اساس الاجندة «التوارثية» التي يتبناها اليمين الاسرائيلي المتطرف المتمثل في خط شارون، وثانيا على اساس دعم الاسلوب الابادي الذي تعتمده حكومة شارون ضد الفلسطينيين. فقد بات هناك تطابق اميركي اسرائيلي كامل في اعتبار المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال نوعا من الارهاب. وفي هذا السياق رأينا للمرة الاولى رئيساً اميركيا يوقع على قانون باعتبار القدس عاصمة لاسرائيل. اننا نشهد في الحقيقة منذ احداث سبتمبر تحالفا صليبيا بين الولايات المتحدة واسرائيل، ينظر للصراع العربي الاسرائيلي كحلقة من حلقات منازلة شاملة ضد الاسلام والمسلمين ذات معارك موزعة على انحاء العالم بما في ذلك الاراضي الاميركية، فالحرب ضد الشعب الفلسطيني ترتبط بخيط واحد مع الحرب ضد افغانستان وغزو العراق وملاحقة المنظمات الاسلامية في الفلبين واندونيسيا بالاضافة إلى العالم العربي. ازاء هذا الوضع الخطير لن يكون العرب والمسلمون في مستوى التحدي اذا واصلوا التعامل مع القضية الفلسطينية كمجرد قضية سياسية معزولة لا يهم امرها سوى الشعب الفلسطيني. ففي مواجهة حرب صليبية شاملة تقوم على تحالف غربي يجمع غلاة المسيحيين مع اليهود، فإن العرب والمسلمين لن يكون بوسعهم الصمود بأي حد ادنى من احتمالات النجاح، ما لم يتسلحوا اولاً بأجندة عقائدية.