الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 يسمونها خريطة توضح معالم الطريق.. ويصفها آخرون، علماء ومفكرون وباحثون سياسيون بأنها عراقيل تعوق تقدم المسيرة، أي مسيرة، على ذات الطريق. والمقصود هو الوثيقة التي خرجت في الآونة الأخيرة من معامل - أو مطابخ الإدارة الاميركية وتدور حول قضية الشرق الأوسط - بالتحديد حول الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، وتطرح هدفها على أنه التوصل الى اقرار السلام في المنطقة ويصفها مراقبون محايدون بأنها أكثر الخطط التي قدمتها إدارة الرئيس بوش من حيث التفاصيل وأشدها حرصا على تحديد غايتها المباشرة أو المرحلية في عبارة تقول: أنها العودة بالخصمين (اللدودين) الى مائدة المساومات (يلاحظ أن مصطلح المساومة حل في هذا السياق بالذات محل المصطلح المألوف والمعهود - والمفهوم أيضا وهو المفاوضات). ملاحظات على الوثيقة الأميركية وقد أصبحت الوثيقة معروفة في معظمها منذ حملها مبعوثو اميركا إلى المنطقة في أواخر أكتوبر الماضي، ومن ثم فقد باتت مطروحة للدرس والتحليل، والتعليق سواء من جانب المشتغلين بالسياسة أو محللي هذه القضية المحورية التي مابرحت تضع الشرق الأوسط - منطقة المشرق العربي بالذات- على برميل بارود. نستطيع أن نجمل أهم المعلومات التي حصلناها من المتابعة وأهم الملاحظات على الوجه التالي: إن الإدارة الاميركية مازالت متمسكة بهدف قيام - أو اقامة الدولة الفلسطينية المرتقبة في عام 2005، وفي هذا رهان بديهي بأن الرئيس الاميركي بوش سوف يجدد له في ولاية رئاسية ثانية رغم أن هذا الرهان محفوف بالف احتمال مابين أسهم الصعود التي تتمثل في تأييد قطاعات اليمين الجمهوري - الديني - المحافظ والامعان في سياسة الترويع والتخويف من الارهاب والتلويح باستمرار باخطار تتهدد سلامة الحياة اليومية والأمن الداخلي في الولايات المتحدة - ويقابلها على ترمومتر الخيار الديمقراطي للناخبين أسهم الهبوط التي تتمثل في الركود الاقتصادي، وبالتحديد في التحول السلبي من فائض بلغ نحو 150 مليار دولار في آواخر حقبة كلينتون الى عجز قومي يحوم حول 130 مليار دولار. تتألف الخريطة السياسية الاميركية المقترحة - على نحو ما كشف عنه الصحفي الاميركي جيمس بنيت «مراسل نيويورك تايمز في القدس المحتلة» من 3 مراحل أساسية على الجانب الفلسطيني أولاها تقول باختيار رئيس وزراء فلسطيني، يتمتع بسلطات أو قدرات «التمكين» وهو مصطلح بات مفضلا ويتردد بمناسبة واحيانا بغير مناسبة في أدبيات المنظمات الدولية. والمرحلة الثانية هي مرحلة وضع واصدار دستور فلسطيني وتأتي المرحلة الأهم وهي اعلان نهاية لما تسميه الوثيقة الاميركية حرفيا بـ «جميع أعمال العنف ضد الاسرائيليين في أي مكان» وقد وصفناها بأنها المرحلة الأهم وليس المرحلة الأخيرة لأن الأوساط الاميركية - «نيويورك تايمز في 24102002 تفهم هذه المرحلة على أنها بمثابة اعلان نهاية فورية للانتفاضة الفلسطينية المسلحة». على الجانب الاسرائيلي يحرص «الصديق الأميركي» على أن يصور اجراءات تل أبيب على انها «تنازلات» تقدمها اسرائيل خلال المرحلة الأولى التي ألمحنا اليها وفي مقدمة تلك «التنازلات» تخفيف اجراءات حظر التجوال وما في حكمها من قيود مفروضة على الشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة ومنها أيضا وقف الهجمات التي يشنها الجيش الاسرائيلي على المناطق المدنية «في الضفة والقطاع» والانسحاب - خذ بالك - الى المواقع التي كانت اسرائيل ترابط فيها يوم 28 سبتمبر عام 2000 أي قبل اندلاع الانتفاضة الثانية. والمعنى أن الشعب الفلسطيني دفع كل هذاالثمن على مدى عامين وأكثر من العذابات والمعاناة وأرواح ابنائه ودمار بيوتهم وممتلكاتهم واسباب معايشهم - ككل يتمثل في العائد من هذه الفقرة بالذات في انسحاب قوات الاحتلال الى مواقع قوات الاحتلال وليس غيرها قبل انتفاضة الأقصى. بيد أن الجانب الأكثر ايجابية من خطة - خريطة معالم الطريق- التي تطرحها واشنطن يتجسد في وقف جميع عمليات تشييد المستعمرات الصهيونية المعروفة باسم المستوطنات. الشركاء الثلاثة وتدرك واشنطن في هذا السياق بالذات،مدى وأهمية الضغوط التي يمارسها شركاؤها الثلاثة في عملية السلام بالشرق الأوسط، وهم روسيا والاتحاد الأوروبي والامم المتحدة، وهي بالطبع ضغوط سياسية ودبلوماسية كي تطالب تلك الأطراف باضفاء تغييرات على هذه الخطة ولاسيما مايتعلق بالجانب الاسرائيلي، مع التركيز بالذات على ضرورة العمل على منع ممارسة العنف ضد الفلسطينيين من جانب المستوطنين الصهاينة. وندرك نحن من جانبنا ان هذا أمر غير عملي.. بمعنى ان وجود المستوطنين، مجرد وجودهم وقيام المستوطنات، مجرد قيامها في اراضي الضفة أو القطاع في المشارف الجهوية، من مدينة القدس - هو بحد ذاته ممارسة للعنف - عنف الاحتلال وعنف الاستيطان الاستعماري غير الشرعي المغتصب لتراب وأرض الغير.. وهو مالا يبرح يشكل قطبا لاستفزاز العناصر الوطنية - وخاصة من شباب وفتية الشعب الفلسطيني الجريح بما يدفعهم الى التضحية بأنفسهم في هذه الحرب المشتعلة «والتي نراها مشروعة» ضد الاستيطان الاستعماري وهو أبشع واخبث أنواع الاحتلال. اسرائيل وأميركا هنالك ترد العسكرية الصهيونية وقد استترت بمقولة مكذوبة ملفقة ساوت فيما بين اميركا في ذودها المشروع عن أمن شعبها بعد هجمات سبتمبر وبين الآلة العسكرية الإسرائيلية وهي ترد بإرهاب الدولة على قوى شعب يخوض نضاله المشروع لتحرير أراضيه الوطنية من الاحتلال والاستيطان غير المشروع. يلفت النظر أيضا - على نحو مايؤكده الكاتب الاميركي «بنيت» أن البيت الأبيض سلم وثيقة خريطة المعالم الى زائره في منتصف أكتوبر الماضي - أيرييل شارون.. وان الدوائر الاسرائيلية امعانا في الاستفزاز وربما في الاهانة رددت قولها «ان مستر شارون كان حريصا على ان يوضح لزائريه انه لم يكترث حتى بأن يقرأها». ولأن ديمقراطية اسرائيل جاهزة دوما في خدمة ادامة الاحتلال وتسويغ الاستيطان فقد حرص السيد شارون على عقد مؤتمر حاشد لأركان حزبه الليكود وخطب في المؤتمر ليلة 2310 الماضي معربا عن استعداده لتقديم تنازلات(!) من أجل السلام حتى ولو كان الثمن فادحا.. وبلغ به المدى في التغني بمآثر التسوية الحد الذي أعلن معه - شارون - أنه يؤيد فكرة دولة فلسطينية - لكن لم يفت الصحفيين والمراقبين الذين تابعوا هذا الاجتماع أن رأيه في الدولة الفلسطينية قوبل بصيحات التذمر والمقاطعة بالرفض والتبرم الشديد والمعلن من جانب الحاضرين باعتبار ان القيادة المركزية لليكود ترفض مثل هذه الفكرة من حيث الشكل والموضوع على السواء. ونحسب أن أركان الليكود هؤلاء، وهم موجودون بالطبع في اسرائيل، وهم ايضا منبثون - للأسف - في زوايا المشهد السياسي الراهن في اميركا - قد باتوا مطمئنين الى أن أيديهم تشارك في تحريك دفة السياسة الاميركية في هذه المرحلة. بحث في (المستقبل العربي) تأمل مثلا البحث الفائق الأهمية الذي نشرته في عدد أكتوبر الماضي شهرية «المستقبل العربي» الصادرة في بيروت 31: صفحة كتبها البروفيسور سميح فرسون الاستاذ بجامعة واشنطن الاميركي الجنسية والعربي الأصل وتطرق فيها الى ماوصفه بأنها «اضفاء الطابع الليكودي على السياسة الأميركية.. لدرجة يذهب فيها الدكتور فرسون الى أن قوى الاعلام الاميركي ودوائر السياسيين الأميركيين برزوا أكثر تشددا، بل وأكثر اسرائيلية من الاسرائيليين(!) من حيث التوصيفات الاخيرة التي قصدت الى اضفاء الطابع الاسرائيلي على السياسة الاميركية نحو فلسطينيي الشرق الأوسط». مع هذا كله، فمن حسن الحظ - نقولها بأقصى مانستطيع من تجرد الموضوعية - فمازال في تقاليد السياسة الاميركية مايسمح ببروز ومناقشة الرأى الآخر وتلك بالطبع من ايجابيات أي ممارسة ديمقراطية.. وبغير ذلك - والشهادة لله - ما كان ممكنا ان تنظم في العاصمة الاميركية ليلة الأحد 2710 أكبر مظاهرة تشهدها في السنوات وربما في العقود الاخيرة.. جاء المتظاهرون بالآلاف من كل أركان الولايات المتحدة وبمختلف وسائل النقل وسبل المواصلات وطبعا على حساب جيوبهم ووقتهم.. وانتظموا حشودا من مختلف الاتجاهات والمشارب والفكريات والخلفيات السياسية والمذهبية والعقائدية.. لدرجة ان اكثر من مراقب لاحظ ان حشود واشنطن الأخيرة جاءت بمثابة تذكير بانتفاضات عقد الستينيات وهو عقد التمرد والرفض الثوري وارتقاب الجديد في مجالات شتى.. السياسة والحكم والاكاديمية والفن بل ومنظومات السلوك والعلاقات الإنسانية.. الخ. جاءت تذكير بالمظاهرات التي رفضت حرب فيتنام وجاءت بالطبع لترفض احتشاد صقور البنتاجون من أجل ضرب العراق ولم يكن هذا الرفض من أجل حاكم اسمه، صدام حسين أو غيره.. بل من أجل أطفالك وأطفالي وأطفال العراق على نحو ماعبرت فنانة اميركية شهيرة جاءت الى واشنطن من ولاية كونكتيكت وهي من أغنى بقاع الساحل الشرقي الاميركي لدرجة ان يحسبوها من أهم معاقل الارستقراطية في الولايات المتحدة. في هذا المضمار أيضا يختتم البروفيسور سميح فرسون دراسته القيمة التي اشرنا اليها بقوله: إن منتقدي السياسات التي تتبعها ادارة الرئيس بوش أخذوا في الظهور في وسائل الاعلام وبين أوساط المثقفين ومما يساعد منطقهم حقيقة المصاعب الاقتصادية من ناحية واخفاقات السياسات الخارجية من ناحية أخرى. من هؤلاء النقاد الذين لا نشك في موضوعيتهم كاتبان مهمان احدهما هو السيد جاريث ايفانز وزير خارجية استراليا السابق «للفترة 1988 - 1996» وهو حاليا رئيس الفريق الدولي لبحوث الازمات والثاني هو الاستاذ روبرت ماللي مدير برنامج الشرق الأوسط ضمن الجماعة البحثية المذكورة اعلاه. نشر الكاتبان مؤخرا مقالا مشتركا في كبريات الصحف الاميركية يصدران فيه بغير مجاملة عن معنى أساسي يقول ببساطة. إن الوثيقة المعنية بالشرق الأوسط - لا تمثل خريطة لتوضيح معالم الطريق على نحو ماوصفتها ادارة الرئيس بوش، بقدر ما انها حافلة بعراقيل شتى تعوق تقدم السير على هذا الطريق - الطريق الى السلام، وكان أهم انتقاد يوجهه الباحثان الى هذه الوثيقة الاميركية هو: أنها يشوبها ثغرة فاصلة بين العموميات التي تحدثت عنها على الورق وبين حقائق الموقف الماثلة على ارض الواقع - واقع الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي في الشرق الأوسط. وفي رأيهما أيضا أن ادارة بوش قد تنكبت المنطق السليم الكفيل بحشد تأييد الرأى العام الدولي وراء أي خطة سلام في المنطقة وأبجدية هذا التأييد هو أن يدور الحديث وتبذل الجهود من أجل تحقيق هدف أساسي هو: كما يقول الكاتبان: امكانية اقامة دولة فلسطينية على أساس حدود 1967 دون أن يكون في ذلك تهديد لأمن اسرائيل حكاية المعتدلين الفلسطينيين ويحدثونك - يقول وزير الخارجية الاسترالي وزميله الباحث الأكاديمي - عن آراء المعتدلين الفلسطينيين ولكن بغير ان يطرح القوم الأميركان المجتمع الدولي سبيلا واضحا وموثقا لانهاء الاحتلال والتوصل إلى تسوية شاملة لن يصبح بين هؤلاء المعتدلين في الجانب الفلسطيني سوى أقل القليل مما يقدمونه لشعبهم ومن ثم يضيف الاستاذان ايفانز وماللي - فمن المستبعد أن تنتهي دورة العنف دون أن يتولد أحساس بأن ثمة سببا يدفع إلى الأمل بالتوصل الى تسوية. والمطلوب عند الكاتبين - الاسترالي والاميركي - هو «ان تكف ادارة بوش عن الحديث عن اصلاحات السلطة وبدلا من ذلك يصار الى التركيز على القضايا السياسية الجوهرية».. وهي عندنا بالطبع تلك المتعلقة بسلام العدل وبإنهاء الاستيطان وجلاء الاحتلال. ـ كاتب سياسي من مصر