الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 عندما يصل الأمر عند عنترة بن شداد وهو أحد فرسان العرب المخلدة سيرتهم في التاريخ نظرا لشجاعته واقدامه الى تشبيه نفسه بحيوان ما فان لهذا الحيوان بلا شك شأن عظيم لا يستطيع العاديون من البشر الوصول اليه فالشاعر الفارس عنترة يقول في أحد أشهر أبيات الفخر التي أنشدها: انني ليث هصور ليس لي في الخلق ثاني خلق الرمح لكفي والحسام الهندواني وبالتأكيد فان عنترة ليس هو الانسان الوحيد الذي شبه نفسه بالليث أو الأسد وهناك الملايين يتسمون بأسماء الأسد فهناك ضرغام وهناك غضنفر وقلب الأسد وأسامه وغيرها من الاسماء العديدة التي أطلقها العرب على الأسد. طبعا لا أحد ينكر أن الأسد وببساطة هو زعيم وملك الحيوانات جميعا وهو يتحلى بكافة الصفات والمؤهلات التي تجعله واحدا من أشرف السباع وأقواها وأجملها شكلا وصفات. ولعل التساؤل المنطقي الذي يراود الكثير منا يتركز في سبب اختيار الأسد ليكون ملك الحيوانات بلا منازع . هل لأنه أقوى السباع والحيوانات المفترسة ؟؟ ربما يكون كذلك لكن النمر يمكن أن يكون أقوى منه! اذن ربما لأن الاسد أكثر رشاقة ؟؟ بالتأكيد لا فالنمر أكثر رشاقة منه وهو أسرع حيوان على وجه الأرض .. فهل الأسد أكبر الحيوانات المفترسه ؟؟ والجواب مرة أخرى لا فالأسد الذكر لا يزيد وزنه على 230 كيلو جرام بينما الدب الرمادي يزن بحدود 350 كيلو جراما كما يصل وزن الدب القطبي الى 800 كيلو جراما! ورغم هذا فقد بقي الأسد ملك الحيوانات كلها .. وهو بالفعل كذلك فلقد اكتسب هذا اللقب نظرا لقوته ومشيته الملكية المهيبة ولطباعه الشريفة وتكبره فهو يعيش في المناطق المفتوحة ولا يختفي أو يختبيء في مكمن ولا يباغت خصمه أو فريسته أبدا بل يهاجم بشكل واضح وصريح وهو يخيف الجميع بلا استثناء بزئيره المرعب. ومن غير الممكن أبدا أن يقع الأسد ضحية لأي حيوان مفترس آخر فكل الأشياء الحية تقف مرعوبة مندهشة عند سماعها صوته .. والأسد حيوان مفترس صحيح الا انه شهم فهو لا يقدم على القتل الا عندما يكون جائعا وفي حالة شبعه فانه لا يتعرض لانسان أو حيوان مهما كان .. فمن الصفات المعروفة عن الأسود أنها لا تهاجم أي كائن الا اذا كانت جائعة أو اعتدى عليها أو على صغارها أحد ويقول العلماء أن اللبوة تعتدي على الحيوانات التي تقترب من مكان صغارها وانها بعد الولادة تكون في أقصى حالات العداء. اذن لم يذكر الأسد عبثا في الأساطير والروايات المتناقلة بوصفه الزعيم الملك وفروه لم يستخدم في صناعة الألبسة جزافا .. ومع ذلك فلقد أثبتت الأسود أنها أكثر رحمة من البشر في كثير من الأحيان ومن ذلك ما حدث في زيمبابوي عندما رفضت الأسود التهام 13 شخصا من المعارضين الذين ساقتهم قوات الأمن بعد وجبة تعذيب وحشي وتركتهم ليلا في احدى حدائق الحيوان المفتوحة حيث تكثر أعداد الأسود والأفيال طليقة دون قيود. وامعانا في الاستهزاء بكل الأعراف الانسانيه قال رجال الأمن للمعارضين بعد تركهم في الغابة : اذا كنتم جادين في خوض الحملة الأنتخابية لزيمبابوي أبدأوا بجمع أصوات الأسود والأفيال وبعد ذلك اذا كتبت لكم الحياة انزلوا لأقناع الناس! لكن المفاجأة أن الأسود كانت رحيمة بمعارضي الرئيس روبرت موجابي وتركتهم أحياء حتى الصباح واضطر رجال الأمن لنقلهم مرة أخرى للمعتقل! وقد كان الأمبراطور الأثيوبي الراحل هيلاسلاسي أخر زعيم أفريقي اتهم بأنه يستمتع بتقديم المعارضين للأسود ويبدو أن الأتهامات التي الصقت بالأمبراطور تعود الى أنه كان يرعى عددا من الأسود في قصره بأديس أبابا وقد كان كل زواره يشاهدونها بالقرب منه وقد جعلها شعارا لامبراطوريته حتى نهاية عمره وتسببت الأسود الطليقة في القصر الأمبراطوري بمشكلات بروتوكولية عديدة للوفود الرسمية من الملوك والرؤساء والوزراء والضيوف خاصة من الدول الأوروبية الذين لم يعتادوا مشاهدة الأسود طليقة تسعى بين الناس! الأسد بالرغم من انه ملك وزعيم الا انه حيوان اجتماعي يعيش في مجموعة تتكون في العادة من ذكرين ونحو 7 اناث و14 الى 16 من الصغار الذين تتفاوت أعمارهم ولكنها في العادة أقل من ثلاث سنوات لأنهم بعد تلك السن يفارقون أسرهم ليبدأوا حياتهم الخاصة. ويؤكد العلماء أن الأسود تستطيع الرؤية بوضوح شديد حتى في منتصف الليل بل ان رؤيتهم ليلا تعادل رؤية الأنسان في وضح النهار ومن هنا كانت براعتها في الصيد ليلا. ومن الأمور الطريفة التي قد لا يعرفها عدد كبير من البشر أن الأسود عندما تغيب بعيدا عن جماعتها ثم تعود اليهم لابد أن تتبادل السلام مع جميع أفراد الأسرة وتستخدم في ذلك الملامسة بالرأس أو الاحتكاك بكل الجسم! والأسود بطبيعتها الاجتماعية استطاعت أن تتأقلم أحيانا مع بني البشر ومن أشهر الأسود الذي اقتحم عالم هوليوود ليقدم أكثر من 100 فيلم وبرنامج تلفزيوني واعلان تجاري يأتي أسد كندا « بونجو» الذي عاش 14 عاما ثم تقاعد في حديقة حيوانات بومانفيل قرب تورنتو قبل أن يهزمه السرطان ويقضي عليه في يوليو العام الماضي. وكان «بونجو» احد أهم الأسود السينمائية وعمل في السينما أكثر من أي ممثل أو ممثلة كندية وحقق مئات الألاف من الدولارات جراء العقود التي حصل عليها كما أنه الأسد الوحيد في العالم الذي يجيد الهجوم والقفز فوق الممثلين ويوقعهم أرضا! ورغم أن الأسد عند كثير من الناس يعتبر مرادفا للشراسة والقتل لا يرون فيه سوى انه حيوان مفترس وقاتل بالفطرة الا أن «بونجو» وعلى مدى سنوات عمره بأسرها كان يتمتع بمزاج ممتاز وهو سهل الأنقياد ولم يرتكب سوى سيئة واحدة عندما عض مدربه في رسغه خلال عرض بحديقة الألعاب. وعمل بونجو مع المشاهير من ضمنهم مايكل دوجلاس وفال كيلمير كما تمتع بالمشي الطويل مع سيندي كراوفورد وطاقم فيلم «الشبح والظلام» في جنوب أفريقيا كما مثل في فيلم جورج الغابة. ورغم أن موت بونجو كان طبيعيا بعد اصابته بالسرطان الا أنه من غير الطبيعي أبدا أن سلالة ملك الحيوانات وللأسف الشديد تسير على ما يبدو نحو زاوية الذكرى والتاريخ والماضي .. أعداد الأسود بدأت تتضاءل في الأونة الأخيرة واذا استمر الوضع كذلك فان اجيالا عديدة قادمة سوف تنظر الى الصور الفوتوغرافية للأسد وهي تتساءل بحسرة : هذا الحيوان الملك المهيب هل عاش فعلا على سطح الأرض! اما أسباب تناقص الأسود فهي عديدة أولها اختفاء الأعداد الكبيرة من قطعان حمار الزرد والغزلان والتي تشكل الطعام الأساسي للأسود .. الى ذلك فقد شكل الأنسان سببا رئيسيا ثانيا حيث بدأ السكان المحليون في كافة مناطق تواجد الأسود بقتلها والقضاء عليها .. أما السبب الثالث فهو توجه مئات الأوروبيين والأمريكيين متسلحين بأحدث الأسلحة النارية الى أفريقيا على شكل فرق ومجموعات لهدف أساسي واحد وهو القيام برحلة صيد ناجحة بغية التسلية والعودة بغنائم جلود الأسود! وكانت أعداد كبيرة من الأسود تقتل وأحيانا تصل درجة القتل الى عدم مقدرة فرق الصيد المعنية على سلخ جلود الأسود المقتولة فكانوا يكتفون بأخذ الصور التذكارية لهم وهم بجانب ملك الحيوانات ويتم قطع ذيله بغية اثبات ادعاءاتهم عن الانتصارات التي حققوها في هذا المجال لدى عودتهم!