الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 تدعونا الاحداث التي صاحبت حركة تحرير المرأة الى الرجوع اليها اذا ما حاولنا فهم ما يجري في الواقع اليوم املا في تحسين القدرة على الاستنتاج الصحيح للرابط الذي يجمع بين الافكار السائدة في مجتمعنا اليوم وبين ما حدث في القرن الماضي من الدعوة الى فك الارتباط بين الهوية كمضمون عقائدي تنتمي اليه النساء في هذه المجتمعات، وبين السلوك الذي لا ضير ان يمشي في الاتجاه المعاكس!! ومن خلال النتائج التي يمكن الحصول عليها من وراء تلك المقارنة.. يظهر وجود عدد كبير ممن تأثر من الجنسين بذلك الطرح السطحي واختار الانتماء الى الدعوة التي تطالب المرأة باختراق الضوابط الشرعية في اللباس، وسوف لن تتأتى لها الحرية التي تريد اذا ما تقبلت الصيغة التي يعرضها الاسلام في هذا الجانب!! والغريب حقا ان هؤلاء الناس غاب عن وعيهم ان الاحتكام الى المعيار العلمي، ومراجعة الذات كانا كفيلين بتسديد آرائهم ومنحهم فرصة لتعديل أحكامهم، والوقوف على ارضية صلبة يعتمدون عليها اثناء انشغالهم بالترويج لبضاعتهم تلك!! ولكنهم آثروا الزهد في ذلك، ورأوا ان ممارسة النقد العلمي لاختبار صحة ما يدعون الناس اليه شيء لا مبرر له! ولأجل هذه الروح اللامبالية بتحسين موقف أصحابها العام اصبح سهلا على من ينتمي الى مدرستهم الفكرية ان يظهر على شاشات التلفاز ليقول للمشاهد ان المرأة العصرية هي نموذج مختلف عن المرأة المتخلفة التي ظهرت في العصور القديمة! والنموذج المختلف المقصود من الحديث التلفزيوني هو التغيير في المظهر الخارجي للمرأة العصرية عن المظهر القديم الذي ساد قرونا طويلة كانت فيها المرأة تتقلب بين العدالة والظلم، وبين التقدير والاهانة وكأن المتحدث في شأن الحرية الغائبة لا يرى للمرأة املا في النهوض من جديد الا اذا فقدت الاتصال مع المرأة في الماضي وكأن مفاتيح النجاح السحرية كامنة وراء اللحظة التي تتمرد فيها المرأة على الزي الشرعي، وبمجرد ما تفعل ذلك تفتح لها ابواب النجاح الاسطوري وتصبح أرقى نموذج عرفته المجتمعات الاسلامية!! والحق ان حصر مشاكل المرأة في هذه الزاوية الضيقة لا يعدو ان يكون مناورة شكلية عديمة القيمة والأثر بل هو تضييع للوقت الذي لم يعد هناك فرصة لتبديد المزيد منه، ولو تخلى هؤلاء الدعاة الى التحرير عن تشدقهم في هذه الجزئية لخدموا المرأة خدمة هائلة، ولاختصروا عليها جهدا كبيرا قطعته في رحلتها نحو تحقيق الذات، وتجسير الهوة الفاصلة بينها وبين الارتقاء بأدواتها المعرفية من اجل تحقيق انجازات مشهودة على الارض تعيد اليها الثقة بنفسها، وتصحح المفاهيم العالقة في الاذهان والتي مازالت متشككة في قدرتها على الاستجابة مع متطلبات النجاح وشروط التفوق. ولعل اهم الملاحظات التي يمكن تدوينها حول هذه الاحداث هو انه لم تكن تلك الدعوة العارية الجذور لتحظى بذلك الانتشار وان يكون لها التأثير الذي رأيناه لو كانت المجتمعات العربية اكثر وعيا واكثر قدرة على قراءة ما بين السطور، وعلى الربط بين المقدمات والنتائج. لقد لعبت السلبية التي ظهر عليها الجمهور دورا رئيسيا في انتشار تلك الافكار، والقبول بها على انها من المسلمات والبديهيات التي لا ينبغي الاعتراض عليها!! وبدت الرغبة في اختبار مصداقية تلك الحقائق في ادنى درجاتها لدى ذلك الجمهور الغائب عن ادواره المنوطة به، والتي لو مارسها على الشكل الصحيح لاكتشف مقدار الزيف الذي خالط تلك الدعوة المغلفة بالاطار البراق العاري من المضمون!! والسؤال المشروع: أليست هذه العلة التي يعاني منها الجمهور هي اكبر ادوائنا التي يجب ان نبحث لها عن علاج سريع؟ اوليس العزوف عن فهم ما يدور حولنا، والانسحاب من معاناة البحث عن الحقائق هي ثقافة شائعة لدى العامة الذين يؤثرون السكون والصمت ويمارسون قدرا من اللامبالاة تكفي لتحرير أي دعوة لا وزن لها ولا أثر؟! ان الخلاص من كل مشاكلنا يبدأ في تلك اللحظة التي نختار فيها ان نصل الى الحقائق بأنفسنا وليس ان نوكل محامين فاشلين ليدافعوا عن قضايانا التي نجهل عنها الكثير!