الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 من الامثلة الشعبية المتداولة في بعض الدول العربية ذلك المثل الذي يشبه من خاب أمله بعد طول انتظار فلم يحصل في نهاية المطاف إلا على الفتات بأنه مثل (اللي صام.. وفطر على بصلة).. ولكن في واقعنا العربي المعاصر نجد ان الذي صام وأفطر على بصلة ليس واحدا ولا اثنين ولا ثلاثة، بل الملايين من العرب الذي صاموا.. وصاموا.. ولم يجدوا بعد طول الصيام حتى البصلة التي فاز بها صاحب المثل الشعبي المذكور..!! صام ملايين العرب شهورا وسنوات بعد ان تسحروا على موائد الزعماء والقادة وعودا وعهودا، أكلوا خطبا وتصريحات.. وشربوا كلاما وشعارات، واتخموا بطونهم بأخبار القمم واللقاءات، واعدين انفسهم بعد طول صيام بولائم النص.. وموائد المواقف والبطولات، وكلما حان موعد للافطار لم يجدوا على الموائد الخالية أكلا يسد جوعهم الذي طال ولا شرابا يطفيء ظمأهم الذي لا تبدو له نهاية تبل ريقهم الذي جف على مدار سنوات الصيام، ولا شيء بعد كل ذلك الا مزيدا من الدعوة الى الصبر ومزيدا من الاحلام الوردية لساعة الافطار يبدو انها لن تأتي ابدا..!! في وقت من الاوقات استمع الزعماء والقادة الى مستشاريهم وناصحيهم الذين اكدوا لهم ان (الجوع كافر).. وأن قوة احتمال الشعوب لها نهاية، وأن احتمال بقاء الوضع على ما هو عليه غير مؤكد، وأنه لابد للصائمين من شيء يسد رمقهم.. ولو لحين، وإلا انقضت جموع الصائمين على قصور زعمائهم فأكلوا الزعماء قبل ان يأكلوا اي طعام آخر، وكان لابد ـ أو لا مفر ـ من وجبة ولو (أي كلام) تهديء شيئا من ثورة الجائعين، وتمنح النظم وحكامها فرصة اوسع للنوم والاسترخاء على كراسيهم السحرية، وكما تعودوا في مثل هذه الازمات، فقد لجأوا الى مستشاريهم الذين برعوا في (طبخ) الحلول الناجعة والناجحة لشغل الناس عن خيبة الواقع الذي يعيشون فيه.. وعن خيبة الامل في الحكم والحكام الذين لم يقدموا لشعوبهم طوال سنوات التصاقهم بالكراسي سوى الوعود بعد الوعود، والخطب بعد الخطب، والتصريحات بعد التصريحات، وكالعادة ايضا.. خرج المستشارون بخططهم التي يرون انها كافية ومؤكدة المفعول لشغل الصائمين المساكين لا عن خيبة حكامهم فقط.. ولا عن واقعهم المظلم فحسب، بل عن العالم وما فيه. وعن فلسطين وما تعانيه.. وعن العراق وما سوف يلاقيه، وكانت الخلطة السحرية التي تولى الاعلام العربي مسئولية توليفها وتسويقها تتضمن مزيجا مركزا من الكورة والجنس.. ومسابقات التفاهة.. وبرامج الشعوذة، الى جانب ما تيسر من الفتاوى السياسية والدينية التي تحض على الصبر وتنصح بالاستكانة وتوصي بطاعة اولى الامر، وللوهلة الاولى بدا ان الخلطة السحرية قد اتت مفعولها.. وان وجبة السحور الاعلامي المذكورة قد شغلت الصائمين عن جوعهم وأنستهم عطشهم، وأن اهتمامهم قد تحول من النظر في احوال حكامهم الى النظر في احوال حكام الكرة.. ومن البكاء على واقع السياسة العربية الى البكاء على واقع ناديهم المتردي او فريقهم المهزوم، وأن التنفيس عما في صدورهم من غضب وثورة قد تحول من المظاهرات والاحتجاجات الى تنفيس ناعم ومريح ولذيذ حققته لهم مذيعات فاتنات يقدمن لهم جرعات لا تنضب من الفيديو كليبات تشبع الجائع وتروي العطشان..! أقول.. حدث ذلك كما بدا لأول وهلة.. فاستراح الحكام وأجزلوا العطاء لمستشاريهم وخبرائهم الذين أثبتوا ولاءهم وحكمتهم، ولكن ما كاد الحكام والزعماء يشدون الغطاء على وجوههم استعدادا لنوم هاديء ومريح بعد هوجة الصائمين المزعجين الذين طالما اطاروا النوم طويلا من عيونهم، حتى فوجيء الجميع.. حكاما ومستشارين.. وخبراء ومخططين.. بالشعب الذي ظنوا انه نام او استنام يلفظ خلطتهم السحرية.. ويقلب على الجميع موائد الافطار الوهمية.. ضاربا بمخططات المستشارين والخبراء عرض كل الحوائط، ليعود كما كان مشاغبها بلا حدود.. رافضا للصوم الابدي، مؤكدا انه لابد للصوم من نهاية، وأن التصريحات المشوية.. والخطب المقلية.. والشعارات المسلوقة، لم تعد تسد رمق الملايين الذين صاموا.. وصاموا.. وصاموا.. انتظارا لوليمة وطنية.. عربية.. نضالية..، فلم يكن نصيبهم بعد طول انتظار إلا.. (بصلة) على شكل طاولة مفاوضات..!! ويأتي رمضان.. ويبدأ مع الصوم السياسي والعربي صوم رمضان الحقيقي، وهو صوم مقدور عليه، له بداية وله ونهاية، وبقدر ما يتعب الصائمون لرمضان في يومهم.. بقدر ما يفرحون في افطارهم بحلاوة الراحة بعد التعب.. وحلاوة الشبع بعد الجوع، اما الصوم العربي السياسي الوطني فمازال بعد سنوات وسنوات قائما ومستمرا وكاتما على الانفاس.. بلا قرار يطفيء ظمأ الصائمين.. وبلا موقف يسد رمق الجائعين.. وبلا مائدة تجمع المنتظرين على أبواب القمم واللقاءات والاجتماعات، المائدة الوحيدة التي تتجمع كل جهود الزعماء العرب لاعدادها وتزويقها وتزويدها بكل ما لا يؤكل وما لا يشرب وما لا يشبع.. هي «مائدة المفاوضات»..! وكل عام.. والصائمون بخير..!!