الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 في أحد مشاهد المسلسل التاريخي «أبو الطيب المتنبي» يقول الشاعر لزوجته «أبو الطيب المتنبي وليس أحمد، هذا هو اسمي فالدنيا مليئة بآلاف الرجال الذين يحملون هذا الاسم لكن واحداً فقط اسمه أبو الطيب وهو الوحيد القادر على مواجهة المستحيل ليكون كما يريد وكما يحلم»! والمتنبي شاعر فذ وانسان عبقري، جمع الطموح والشجاعة والمغامرة والسعي نحو المستحيل في داخله حتى عذب نفسه واحرق روحه لكنه كان مفتتنا بفكرة انه شاعر مختلف وانسان مختلف، عاش حياته راكضاً نحن المستحيل فوضع نفسه في متاهات لا آخر لها، ومنعطفات خرج من كثير منها بخسائر لم يستطع تعويضها أو تلافيها ولكنه ابداً لم يندم، لقد كان مؤمنا بفكرته، وبقدره وبكل الخطوات التي مشاها وقادته من بلاط أمير إلى آخر، ومن مملكة لأخرى، ومن قصيدة لقصيدة، حتى كانت نهايته من صنع أشعاره. إن المتأمل في شخصية هذا الشاعر يرى انعكاساً واضحاً لهذه الشخصية في شخصيات كثيرة تعيش بيننا، وكأن المتنبي قاسم مشترك، أو كأننا جميعاً نتحرك في دروب الحياة بنفوس وطموحات فيها شيء من روح المتنبي. لكن المتنبي يختلف عن غيره في أن شعره كان سيد زمانه وكان هو سيد شعره، وحينما انتقل أو ذهب أو تأرجح في مفارق الحياة والممالك وبلاطات الامراء والسلاطين، فإنه يبقى مالك أمره، وممسكاً بزمام مصيره، وسيد قراره وفكرته. برغم ما كان يؤسس من علاقات وطيدة خاصة تلك التي راكم تراثها شعراً وحياة في بلاط الامراء الحمدانيين لكن عزة نفسه كانت تتفوق في نهاية المطاف فيحطم القبور وينطلق محلقاً إلى أبعد النهايات ليبدأ من جديد. وفي سعيه خسر المتنبي كثيراً، ولم يظفر بالامارة، لكن ممالك وامبراطوريات توارت مع أصحابها بلا ذكر أو مجد، ووحده المتنبي بقي شامخاً كطود، راسخاً كأسطورة في التاريخ العربي، صحيح انه أضاع بعض نفسه في بعض المنعطفات لكنه، ظل كرجال الاساطير المغامرين الممتلئين بالكبرياء حيث لا شيء يعلو رؤوسهم سوى السماء لا ينحنون أمام أحد، لأنهم يبدعون انسانيتهم في ابداع أعظم اسمه الكبرياء والكرامة. في الحياة نقابل أشخاصاً يصنعون حياتهم بالحفر في عروق الصخر، مع ان الحياة متاحة أمامهم فقط بقليل من التنازلات لكنهم يفضلون استخدام قواهم الخاصة حتى يشعروا بأنهم سادة اقدارهم، وسادة الارض التي تطأها اقدامهم ولأنهم اختاروا الاصعب منهم يحتملون فوق قدرتهم على الاحتمال، فقط ليكونوا هم كما يريدون لأنفسهم، وأصعب الخيارات والقرارات في بعض المجتمعات هو قرارك بأن تكون سيد مصيرك، بعيدا عن الاحتياج والمساومات التافهة.