الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 المعارضة الدولية المتنامية ضد الولايات المتحدة قد تضطر ادارة بوش الى التردد ازاء غزو العراق.. لكن المشكلة الكبرى هي المعارضة الداخلية. هكذا تقول الصحافة الاميركية او على الاقل الصحف الكبرى ذات النفوذ الاعلامي. ليس الحديث في هذا السياق عن الشارع الاميركي رغم المظاهرات الضخمة التي تنطلق من حين لآخر منددة بالحرب ضد العراق.. وانما الحديث عن مؤسسات السلطة الاميركية التي تتقاسم صنع السياسة الخارجية الاميركية في اطار الامن القومي للولايات المتحدة. تفيد مقالة افتتاحية لصحيفة «هيرالدتربيون» بأن هناك ثلاث مؤسسات سلطوية تعارض فكرة الحرب ضد العراق وهي: وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، ووكالة الاستخبارات المركزية. وهي معارضة صادرة عن المسئولين «التكنوقراط» على المستوى الاعلى. على صعيد وزارة الخارجية لا تقتصر المعارضة على الوزير باول، وانما تمتد الى مئات الدبلوماسيين الاميركيين في انحاء العالم الذين يقولون ان معظم الحكومات التي يتعاملون معها، بما في ذلك حكومات موالية لواشنطن تقليدياً، تعترض على غزو العراق لأسباب متنوعة. واذا كان موقف الوزير ينسجم مع موقف التكنوقراط في وزارة الخارجية، فإن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يجد نفسه وحيداً في مواجهة كبار الخبراء العسكريين في وزارة الدفاع. ومما ترويه الصحف الاميركية انه تجرى داخل الوزارة مناقشات حامية يضيق بها رامسفيلد ذرعاً الى درجة انه يستخدم احياناً اسلوباً بذيئاً عندما يلمس ان هناك اجماعاً او شبه اجماع بين مساعديه من كبار البيروقراطيين العسكريين ضد وجهة نظر الوزير. ان الخطة الاميركية المقترحة لغزو العراق في احدث اشكالها تشتمل على قصف جوي مكثف على غرار ما جرى في افغانستان لمدى قد يصل الى شهر.. ثم بعد ذلك تتدخل قوات برية قوامها 250 ألف جندي اميركي للقتال داخل الاراضي العراقية. وما يخشاه كبار العسكريين الذين يعارضون وزيرهم هو ان ما جرى لافغانستان قد لا ينطبق على حالة العراق.. فقد تواجه القوات البرية الاميركية مقاومة شرسة داخل الاراضي العراقية فتتحول الحرب الى حرب مدن طويلة المدى تكبد القوات الاميركية خسائر جسيمة. واجمالاً يرى الخبراء العسكريون الاميركيون ان ادارة بوش تتعجل خطى الغزو دون تبصر كاف مسبقاً في العواقب وموازنة الايجابيات مع السلبيات. هناك مخاوف مماثلة داخل وكالة الاستخبارات المركزية لكن لسبب مختلف. فخبراء الوكالة اينظرون في فكرة غزو العراق من منظور الحرب الدائرة على «الارهاب». وتنظيم «القاعدة». وحجة هؤلاء الخبراء ان حرباً على العراق لن تعرقل «حرب الارهاب» فحسب، بل يمكن ان تبعث على المزيد من النشاط «الارهابي» المسلح. الرئيس بوش اذن يواجه معضلة ذات ابعاد ثلاثة: دبلوماسية وعسكرية واستخباراتية. ومع ذلك فإن للمعضلة جوانب اخرى اهمها الشارع الاميركي من ناحية والمعارضة الدولية من ناحية اخرى. واذا كانت المنظمات الاميركية الجديدة المناهضة للعولمة رسمت خطة لتهييج الشارع الاميركي بتنظيم مسلسل من المظاهرات المعادية للحرب ضد العراق تمتد حتى شهر فبراير المقبل، وشرعت في تطبيق هذه الخطة فعلاً حتى قبل ان ينطلق صاروخ اميركي واحد صوب بغداد، فكيف يكون الحال اذا دشنت الحرب فعلاً؟ من المحتم، في حالة اندلاع الحرب، ان يصل الهيجان في الشارع الاميركي الى درجة الغليان فتتحول المظاهرات الى العنف. وفي اوروبا لن يقتصر الغضب في حالة اشتعال القتال على الشارع، وانما سوف يشمل الحكومات ايضاً. ومما لا شك فيه انه في حالة اندلاع الحرب بقرار اميركي احادي فإن الحكومات الاوروبية ومعها روسيا وربما الصين سوف تطلب عقد جلسة استثنائية لمجلس الامن الدولي لاستصدار ادانة قوية ضد واشنطن وقرار دولي لوقف الحرب فورياً. اما على الصعيد العربي الاسلامي فإن المرجح ان تتحقق مخاوف خبراء وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية بشأن اتساع نطاق «الارهاب». فعلى خلفية الحرب ضد العراق سوف يتضاعف النشاط «الارهابي» ضد الاهداف الاميركية في انحاء العالم، بما في ذلك الارض الاميركية نفسها، كماً ونوعاً. تقول «هيرالدتربيون» ان القرار التاريخي الذي اصدره الرئيس الاسبق ليندون جونسون في الستينيات باشعال حرب ضد فيتنام تورطت فيها اميركا لعشر سنوات قبل ان تخرج منهزمة، كان بناء على ضغوط من مسئولي وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية. واذا كان جونسون احتج لاحقاً بأنه كان ضحية تقديرات تضليلية، فإن بوش لن يكون متاحاً له هذه الحجة في حالة فشل خطة غزو العراق.