الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 وثيقة دمقرطة الشرق الأوسط نشرت في «البيان» 3 نوفمبر الحالي، والتي لم يعلنها وزير الخارجية الأميركي كولن باول كما كان مقررا وقد لا يعلنها أبدا، لاتقول الا أن بضاعة أميركية جديدة يطلق عليها اسم الديمقراطية مطروحة للتصدير حاليا ككل منتج صناعي في الولايات المتحدة، وأن على من يرفض شراءها ويدفع ثمنها أن يتحمل أثمان فرضها عليه بالقوة. بل هي تقول أكثر من ذلك، وفي أكثر من فقرة من فقراتها، إن هدف تعميم هذه البضاعة ليس أن تكون في خدمة المنطقة ولمصلحة شعوبها بل أن تصب في خانة المصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة ـ التي تشكل حجر الزاوية للاستراتيجية الاميركية المقبلة ليس في المنطقة فقط وانما في العالم الاسلامي كله. أما اعلان الوثيقة رسميا، أو عدم اعلانها، فمسألة قد لا تقدم ولا تؤخر كثيرا في الحسابات الاميركية، وذلك لأسباب متعددة : بينها أن الهدف الآني منها، اي تسييس العدوان الأميركي المتوقع على العراق في ما يتعدى اسقاط النظام ونزع أسلحة الدمار الشامل لديه ومحاربة الأرهاب عشية بدء هذا العدوان، قد تحقق، وبينها أن اشهار سيف التغيير في وجه أنظمة الحكم فيها بما يعنيه ذلك من ضغوط لادخالها الى بيت الطاعة الاميركي قد تحقق بدوره، وبينها أن التهديد باعادة رسم خريطة المنطقة وتحويلها الى كانتونات طائفية ومذهبية قد تحقق من ناحيته أيضا. يؤكد ذلك ما تقوله الوثيقة في أكثر من مكان منها عن تباين في وجهات النظر ـ لدى واضعي التقرير ـ حول مسألة ان يبدأ العراق بحكم جمهوري ثم يتلوه بعد فترة قصيرة حكم ملكي، أو أن يتم البدء مباشرة بالحكم الملكي الذي سيسعى الى التحالف مع الأردن ، وعن أنه اذا تم الأتفاق على أن النظام الملكي هو الأمثل لوضع العراق ، وعن أن اقامة نظام ملكي ديموقراطي يقوم على التعددية السياسية في العراق ليست هدفا في حد ذاتها وانما هي وسيلة للضغط على النظم الملكية الأخرى في المنطقة، وعن أن هذه النظم الملكية ستكون في فترة اختبار حقيقية في خلال العقد المقبل وعن أنه ليست هناك نية أميركية للانقلاب على العائلات العربية الحاكمة الخ.. تناقض ؟! . لا، بل تباين مقصود هدفه، من بين أهداف عدة، اشاعة أن كل شيء سيكون ممكنا في المستقبل وان الخطط كلها موضوعة ولا يبقى الا ان تقرر الدولة العظمى الوحيدة في العالم خيارها في هذا المجال. غموض متعمد قبل البدء بتفحص البضاعة المعروضة، لا بد من ابداء الملاحظات الآتية : أولا لا ينكر أحد في العالم العربي حاجة هذا العالم الملحة، ليس الآن فقط بل منذ وقت بعيد، لترسيخ الحريات السياسية الأساسية في بلدان المنطقة وفي مقدمتها طبعا ديمقراطية الحكم وتداول السلطة والحياة الحزبية الناشطة. الا أن العرب، ومعهم شعوب العالم على اختلافها، يعرفون جيدا أن الديمقراطية ليست من نوع البضائع المصنوعة التي تستورد أو تشترى، وبالتالي فهي غير قابلة للتصدير خصوصا اذا كان تصديرها سيتم بالطريقة التي يتحدث عنها التقرير.. أي بالعدوان المسلح على العراق من أجل جعله دولة محورية ورائدة للديمقراطية السياسية على امتداد المنطقة العربية. ثانيا ـ ان العرب، في الأصل وحتى في واقعهم الراهن، ليسوا شعوبا وقبائل متناحرة في ما بينها لا على الهوية ولا على التاريخ ولا على الدين برغم تعدد أماكن اقامتهم ـ أوطانهم الحالية التي رسمها لهم الاستعمار ـ ومنابتهم ومعتقداتهم الدينية. هم شعب واحد، تنتظمهم وحدانية الهوية والتاريخ والجغرافيا والمصلحة، والمصير الواحد أيا تكن العلل التي يعانون منها. مشكلاتهم كثيرة، وكذلك خلافاتهم، لكنهم لا يختلفون البتة على أن سبب هذه العلل هو التجزئة التي أنزلتها قوى الاستعمار بأرضهم الواحدة وجعلت منها بالتالي دولا وبلدانا وأنظمة حكم متعددة. ثالثا ـ ان الحرب على الارهاب التي تقودها الولايات المتحدة على مساحة العالم كله، وفي المنطقة العربية تحديدا، تكون ـ كما قال التقرير في جانب منه ـ بمعالجة الأسباب العميقة التي تنتج هذا الارهاب. وليس بين هذه الأسباب غياب الديمقراطية، على خطورة وفداحة هذا الغياب، بل هو التنكر الأميركي الدائم والصلف للحقوق العربية بما فيها أساسا حقوق الشعب الفلسطيني وشن حرب ابادة معلنة عليه فضلا عن الاحتلال بالقوة المسلحة لأرضه وأراض عربية أخرى. اذا جئنا الى التفاصيل، تفاصيل الديمقراطية المقترحة، تبدو واضحة تماما بل وبالغة الوضوح، نيات الولايات المتحدة من وراء تصورها للعالم العربي في المستقبل. انه عالم عربي مجرد ذيل للسياسات السياسية والاقتصادية والمالية والاستراتيجية الأميركية، ولكن أيضا مع شرط بالغ الأهمية هو ان يكون للولايات المتحدة تواجد سياسي مستمر في هذه المنطقة للأشراف على التطبيق الديموقراطي، وكذلك على التطورات السياسية اللاحقة فيها. لا تقول ذلك فقط مهمات الملك المعين من قبل أميركا لحكم العراق، وانما أيضا وبشكل محدد طبيعة الروابط التي سيكون عليه ان يقيمها معها. ان هذا الملك، تقول الوثيقة حرفيا، سيرتبط مع الولايات المتحدة الأميركية بمجموعة من الالتزامات الأساسية لا تقتصر فقط على مجالات التعاون الأستراتيجي، ولكن في بعض المسائل الأخرى سيكون هناك نوع من التحالف الذي سيكرس حماية المصالح الأميركية لفترة طويلة في هذه المنطقة. ولكن أي ملك، ومن أين، وكيف سيتم اختياره ؟! لا تقول الوثيقة شيئا على الاطلاق هنا، وان كانت تشير الى أن هذا الملك سيسعى الى التحالف مع الأردن!! ولأن الوثيقة ترى في النظام الملكي القائم في الأردن حاليا ما تصفه بأنه تجربة ديمقراطية قابلة للتطور، اذا يكون حديثها عن عدم النية في احداث انقلابات على العائلات الحاكمة في المنطقة تأكيدا شبه مباشر للمعنى السالف الذكر. بيت القصيد كما أنها لا تقول شيئا عن خليفة هذا الملك، أو من يليه وفق تعبيرها، في حال تجاوز هذا الملك لاختصاصاته وبروز حاجة لانتقال السلطة منه، ولا عن صلاحياته الدستورية والسياسية باعتباره رمزا لوحدة الشعب العراقي سوى القول أن أهمها حقه في اقالة أو تعيين رئيس الوزراء والوزراء وأن يكون بمثابة المرجع الأعلى في مدى الالتزام الحكومي بتطبيق المبادئ الديمقراطية، وأن يكون من حقه ايضا التدخل لحل الخلافات بين الحكومة والبرلمان. وليس في أعرق الملكيات الدستورية في العالم الآن، بريطانيا في هذه الحالة، مثل هذه الحقوق تتمتع بها الملكة اليزابيث أو حتى كان جدها يتمتع بها قبل أن ينتقل اليها العرش !!. ثم أن الوثيقة تفضح نفسها، وواضعيها والواقفين وراءها وأهدافها على حد سواء، ليس في مخططها لاعادة رسم خريطة المنطقة وتقسيمها الى كانتونات طائفية ومذهبية فقط وانما أيضا في وضع أحد هذه الكانتونات ـ في المنطقة الشرقية من السعودية ـ تحت ادارة احدى شركاتها، شركة ارامكو النفطية كما تقول بكل وقاحة. ثم ان الوثيقة، في مجال الحديث عن الأحزاب السياسية التي تتصورها للمنطقة، تقول علنا أن احدى غاياتها انشاء نظم حزبية جديدة في المنطقة تعتمد على التقاليد والتراث الغربي لتحقيق نهضة ديمقراطية حقيقية فيها، بينما الغاية الثانية وفي الوقت ذاته هي تشكيل جماعات ضغط قوية في الحكومة والبرلمان والمؤسسات السيادية العليا في كل دولة لتعمل هذه الجماعات بشكل مباشر وقوي مع الأدارات الأميركية لتنفيذ المقتضيات الواردة في الاستراتيجيات الأميركية واذا فالاحزاب السياسية في طول العالم العربي وعرضه، باعتبار ان النموذج العراقي سيكون القاعدة الأساسية لتحقيق هذه الخطوات.. ولبناء الهيكل الاستراتيجي الثابت لما يمكن أن يكون عليه الشرق الأوسط من أوضاع أفضل، لن تكون سوى عبارة عن لوبيات ضغط، وفي النهاية الحاكم الفعلي، في المنطقة من اجل تأمين المصالح الأستراتيجية الأميركية فيها. بل أكثر من ذلك اذا وبالنتيجة، التهميش الكامل لكل ما في بلدان المنطقة الآن، أو ما يمكن أن يقوم فيها في المستقبل، من احزاب تعتمد في ايديولوجيتها على التقاليد والثراث غير الغربي، أي العربي والاسلامي بشكل خاص. أن الحرب على الأرهاب ، تعلن الوثيقة بكل وضوح، قد تكون متجددة بحيث يتطلب منا ذلك أن نقوم في كل عام أو عامين بغارات عسكرية جديدة ضد هذه العناصر الجديدة. ومن هنا، تضيف، حتى نضمن التقليل من هذه النفقات العسكرية الطائلة، وكذلك ما يترتب عليها من اعباء اضافية تؤثر على نمو اقتصادنا القومي، فان افضل ما تم الاتفاق عليه من خلال دراسات المتخصصين والمعنيين هو أن هذه الوسائل العسكرية لابد وأن يتم دعمها بالوسائل السياسية. وهذا هو المقصود بأن تكون خطة دمقرطة المنطقة العربية مكملا اساسيا للوسيلة العسكرية. ولا يقف الأمر عمليا عند هذا الحد. تقول الوثيقة في ختامها: ما دمنا نواجه بمعارضة ورغبة في الانتقام وشعور بالعداء من شعوب المنطقة، فان الأمر الأكثر الحاحا هو العمل على اعادة ترتيب أوضاع المنطقة العربية لأنه اذا نجحنا في ترتيب هذه الأوضاع بما يخدم المصلحة الأميركية الثابتة فان ذلك سيسهل كثيرا من ترتيب الأوضاع في العالم الاسلامي الذي سيمثل القلب من التفاعلات المستمرة سواء الأيجابية او السلبية مع الولايات المتحدة. وقد تكون هذه الخاتمة، اضافة الى فرض الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية واعادة رسم خريطتها السياسية، هي بيت القصيد. فـ «الديمقراطية» الأميركية ليست الا الراية التي يرفعها «الامبراطور» جورج دبليو بوش على الدبابات والصواريخ وحاملات الطائرات التي يستعد لارسالها الى العراق.. وعمليا الى المنطقة كلها في الغد. وهي ليست مجرد بضاعة للبيع، يتم تسويقها من خلال وثيقة دمقرطة الشرق الأوسط هذه، بل هي بضاعة للبيع بالقوة والاكراه. ولا تقول الوثيقة غير ذلك في أي حرف من حروفها. ـ كاتب لبناني