الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 حدثان مهمان تصادف وقوعهما في نفس الوقت، ولعلهما يغيران شكل المنطقة مستقبلا، الاول انتصار حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التركية، والثاني قبول بنيامين نتانياهو بمنصب وزير الخارجية في الدولة العبرية ورضوخ شارون لشروطه. اسس كمال اتاتورك الحاكم التاريخي والفعلي لتركيا الحزب الجمهوري، الذي حكم تركيا لسنوات طويلة، وكان دور الحزب المحافظة على الانجازات الاتاتوركية حتى بعد موته، وقد نجح الحزب في تنفيذ الدور المناط اليه بكل جدارة لبعض الوقت ، فقد تم اقحام هذا الرجل وصورته في كل نواحي الحياة، العملة الورقية والمعدنية، وميادين الطرق ومداخل المؤسسات الحكومية والخاصة، والمكاتب ومناهج التعليم وغيرها، ولكن كل ذلك التقديس والتشريف لمؤسس تركيا الحديثة كما يطلق عليه بدأ في التلاشي والتبخر تاركا المجال لحزب العدالة والتنمية حفيد حزب الرفاه ليحكم انقرة، أليس هذا غريبا؟ تعرضت تركيا لعدة ضربات افقدتها صوابها وجعلتها تتخبط لتكتشف مؤخرا انها قد تكون واقفة على شفا جرف هار، منها: ـ انهيار اقتصادها بطريقة غير مفهومة، فقد بلغت قيمة الليرة مستوى غير مسبوق مما افقد المواطن التركي الثقة في حكومته وعملته، واظهرت هشاشة الاقتصاد في دولة لا تفتقد لاي عوامل النهوض، وبدأ ينظر الى الاسباب التي ادت الى ذلك، فلم يجد سوى النخب الحاكمة التي تتحدث بألسنة الموتى وتتحرك مستندة عليهم. ـ سلسة الزلازل التي ضربت الكثير من المدن والقرى التركية واظهرت الفساد المتفشي في طبقة المقاولين والمسؤلين الحكوميين المستفيدين الذين كانوا فعليا ينشئون مباني من رمال اصبحت قبورا لساكنيها بعد اول هزة، ومن نجا منهم انضم للاعداد الكبيرة من اللاجئين الذين ينتظرون سكنا تتفضل به الحكومة عليهم. ـ الحرب السرية في جنوب شرق تركيا بين الجيش وحزب العمال الكردي التي استنزفت الكثير من مقدرات الدولة وشبابها، كان بالامكان تفاديها لو اعطت انقرة الاكراد بعض الحقوق الاساسية البديهية بدلا من سجنهم لو تحدثوا بلغتهم او اعتزوا بلباسهم. ـ الخسارة الكبيرة التي تكبدتها انقرة من جراء تطبيقها للمقاطعة الاميركية ضد بغداد، بدون ان تقوم واشنطن بتعويضها لتلك الخسارة الهائلة. ـ وقوف تركيا لسنوات طويلة امام الباب الاوروبي رغبة منها في الدخول الى الاتحاد الاوروبي، معطية ظهرها لعمقها الاستراتيجي المتمثل في العالمين العربي والاسلامي، ومع ذلك ظل هذا الباب موصدا بدون تحديد الوقت لفتحه للنظر في الطلب التركي. لقد اثبتت النتائج الاخيرة ان الناخب التركي بدأ يتجه ببصره للجنوب، الى جذوره التي كاد يفقدها في عملية تغريب قسرية منظمة فرضت عليه خلال سنوات طويلة بعد سقوط الخلافة. أما في الجهة الأخرى فإن تعيين بنيامين نتانياهو وزيرا لخارجية الدولة العبرية يحمل الكثير من الدلائل، فقد يعني ان عملية الترانسفير او التهجير الجماعي للفلسطينيين على وشك الحدوث، فالرجل وسيده ووزير الدفاع ينتمون الى صقور حزب الليكود، ولا يخفون رغبتهم العارمة في ايجاد اسرائيل خالية من الفلسطينيين بأي طريقة كانت، ولا يحفلون بما يطلق عليه البعض الضغط الدولي او مجلس الامن وغيره، وهم بانتظار حدثين مهمين حتى يقوموا بتلك المهمة، الحدث الاول هو ضرب العراق وتقسيمه، ولذلك فان حكومة تل ابيب من اكثر الحكومات تحمسا لرؤية الطائرات الاميركية ترمي بحممها على بغداد، وهم لا يخفون ذلك ايضا، والحدث الثاني هو ايجاد العذر المناسب للقيام بعملية التهجير، وهناك الكثير منها في جعبة الحكومة الشارونية التي لن يغلبها التفكير في ايجاد سبب وجيه يدعم موقفها. لو تمكن حزب العدالة والتنمية من وضع قدمه في الحكم والسيطرة فعليا على صناعة القرار في انقره، وقطع الخطوط التي تربط الجيش بيد اتاتورك ولسانه، فقد تحل تركيا محل العراق في منع تنفيذ المشروع الاسرائيلي. هل ينطبق علينا المثل القائل «لا يغلق باب إلا ويفتح آخر»؟ قد يكون كذلك، فالامة بطبعها امة ديناميكية، قد تنام ولفترات طويلة، ولكنها لا تموت. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com