الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 افتقدت الخطوات الاولى لحركة تحرير المرأة والتي بدأت في القرن العشرين الى وجود نسيج فكري يضمن لها سلامة الوصول الى بر الامان، ويقدم لها رؤية شمولية تتيح لها تقييم خطواتها التي تسير بها على الارض. وكأي مشروع لا يحمل في داخله عوامل البقاء والقوة، ظهرت ثغرات كبيرة على ذلك المشروع الذي ولد مشوها غريبا عن البيئة التي خرج منها والتي جاء ليخاطبها بلغة ليست محكمة المعنى، ولا سليمة المبنى!! فالخلط الذي حدث في اذهان دعاة التحرير حول العلاقة التي تربط بين الاسلام وبين التخلف كان خلطا مريعاً، وتسبب في حدوث خسائر لا حصر لها!! ومن سوء الحظ ان الاجواء كانت مواتية لنشر المزيد من الشبهات حول الخصومة المزعومة بين الاسلام وبين المرأة. فقد فتحت الجامعات، وأقبلت النساء على التعليم، وبقدر ـ غير منتظر ولا مرغوب ـ كانت الدفعة الاولى التي تخرجت من أول جامعة عربية طالبات غير ملتزمات بالزي الشرعي. وكان ذلك كافيا للتلبيس على العامة، وايهامهم ان من استبدلت زي الامس بزي المدنية الغربية هي وحدها التي تملك عقلا متفتحا ورؤية عصرية للحياة من حولها!! لقد سوغ العقل المريض لاصحابه ان يعرضوا الصور القاتمة التي حدثت في التاريخ الاسلامي على انها النموذج المثالي الذي يجسد قيم الاسلام، ضاربين عرض الحائط بالشواهد المتواترة والامثلة المكثفة الدالة على حيوية الموقف الاسلامي واختياره الوقوف الى جانب المرأة لتسترد كامل حقوقها المهدرة في تلك الازمنة التي حاربت تعاليم السماء، ومضت تشرع القوانين وفق مزاجها الخاص!! ومن البديهي ازاء تلك المغالطات ان نتساءل عن المنهجية والموضوعية التي يتشدق بها اولئك المتصادمون مع الرؤية الاسلامية طالما انهم اصدروا حكما غيابيا ضد موقف الاسلام من هذه المسألة دون ان تتوفر لهم ادلة كافية تخلصهم من الحرج الذي أوقعوا انفسهم فيه؟! وكيف تتحقق المصداقية لاولئك الذين مارسوا انتقائية بغيضة للمصادر التي غذت افكارهم، وصاغتها على ذلك النحو الغريب؟ والادهى من ذلك كله ان بعض هؤلاء الدعاة الى التحرر سافروا في فترة مبكرة من حياتهم ـ الى الغرب، وتشربوا من افكارهم الخاصة ازاء ادوار المرأة في الحياة العامة، والطريقة التي يمكن من خلالها ان تحقق ذاتها، وترتقي بمعارفها فاستنسخوا تلك الافكار وأتوا بها على علاّتها الى العالم العربي يبشرون بها، وكأن لا خلاص للمرأة العربية والمسلمة الا بتقليد المرأة الغربية ومحاكاة الطريقة التي تمارس بها ادوارها في المجتمع!! لقد كانت الجناية كبيرة خاصة وان عوامل التصدي والرفض لتلك الافكار غير العلمية كانت حينها في بداية تكونها وانطلاقها نحو استلام مهمة اعادة الثقة بالاسلام، وترميم الهوة بين الاذهان الحائرة من قوة الصدمة الهجومية ضد ثوابتهم وميراثهم وبين الفطرة التي مازالت توحي الى اصحابها بأن الانتماء لموقف الاسلام من حقوق المرأة هو الطريق الاكثر امانا في البحث عن الخلاص من ذكريات الماضي الأليم!! والغريب ان المشروعين اللذين تزامن ظهورهما مع الثلث الاول من القرن الماضي مضيا في اتجاه تصاعدي منذ تلك الفترة والى اليوم، دون ان يتراجع احدهما او ان يترك الساحة للفكر الاخر!! فقد وجد دعاة التنازل عن اللباس الاسلامي انصارا دخلوا في زمرة المنادين بالفصل بين مظهر المرأة المسلمة وبين مخبرها، زاعمين انه لا علاقة تجمع بين الاثنين، ولا صلة تربط بينهما!! وقد استبطن فريق منهم، سواء شعروا بذلك ام لا، تحيزا ضد اللباس الشرعي، وربما ادى ببعضهم الى الاعتقاد بأن وراء كل غطاء رأس انثى صغيرة العقل، وان وراء كل سيدة محتشمة اللباس نفسية ضيقة، وروحا ثقيلة، وافقا محدودا، وتحجرا لا حدود له، وتعصبا لا نهاية له وعجزاً عن محاورة المخالف او تقبله، وسطحية في فهم الاشياء، وضعفا عن استيعاب روح العصر، او التكيف مع نظامه الجديد، ورجعية لا مكان لها في زمن العولمة!! وعليه، فان دعاة التحرير قطفوا كثيرا من الثمار التي أرادوا، ووجدوا لهم أنصارا في كل مكان، لا يتورعون ابدا عن الصاق أبشع التهم بكل الملتزمات بالزي الشرعي، وهو موقف متطرف يحمل في داخله بذور الهلاك والفناء، لا للفكر المخالف له وانما لتلك الفكرة المتطرفة التي وضعت الجميع في قارب واحد، وحسمت الموقف لصالح السفور على نحو غير مبرر ولا مقبول!! كما ان الواقع له كلمة اخرى نود لو نقف معها لنتأمل الموقف الرافض لتلك الدعاية المغرضة!!