الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 أتأمل كثيراً في الطريقة التي تتعامل بها مجتمعات الغرب مع قضية حقوق الانسان، وأكتشف كلما أمعنت النظر والمعايشة بأن الحقوق لا تقتصر على الأشخاص ذوي القدرات والامكانيات الطبيعية فقط كما هو الحال عندنا في المجتمعات العربية، وان حقوق الانسان ليست في أن يقول رأيه بحرية، ويختار نوابه بنفسه، ويحصل على تعليم وعمل جيد، كما انها ليست في تنظيم المظاهرات والاعتصامات وتوافر المعلومات بكل حرية وفتح آفاق الاتصالات والمواصلات على مصراعيها، فكل ما سبق وما نطالب به دائماً محصور في زاوية واحدة من وثيقة حقوق الانسان هي الحقوق السياسية، وكأن الانسان كائن سياسي وانه بحرية الرأي والتعبير يحيا الانسان فقط، وهذا غير صحيح طبعاً!! إن حقوق الإنسان مجال واسع، وأفق رحب يشمل كل فئات المجتمع: الأشخاص الطبيعيين، كبار السن، أصحاب الاحتياجات الخاصة، الأطفال، المهاجرين، العمال... الخ. وفي الغرب تحترم حقوق الفئات التي نحصرها نحن تحت مسمى «الفئات الخاصة» أكثر مما تحترم حقوق الأفراد العاديين لا لشيء إلا لحساسية أوضاعهم وأهمية مراعاتهم للدلالة على مدى تحضر الأفراد ووعي المجتمع بحقوق أفراده. وكلنا نعلم بأن دار المسنين أو العجزة هي نهاية المطاف لآلاف من كبار السن من الجنسين في أوروبا وفي عالمنا والعالم أجمع، كما نعلم ان الانسان المعاق والطفل اللقيط أو اليتيم أو صاحب الظروف الاستثنائية هم عبء على عائلاتهم وعلى المجتمع، كما على أنفسهم، لأن المجتمع والعائلة لم يتدربا على طريقة التعامل معهم بشكل علمي صحيح من الناحية الاجتماعية والنفسية والصحية، وهم أيضاً لم يدربوا على التعامل مع حالتهم وظروفهم بشكل صحي بعيداً عن مناخ الشعور بالنقص واليأس والاحساس بأنهم عالة ولا قيمة لهم!! وهنا يأتي دور المؤسسات العلمية والأهلية والحكومية معاً للقيام بهذا الدور والتنبيه له والدعوة الى نشر الوعي الخاص بهذه الحالات عبر كل الوسائل المتاحة. في المجتمعات التي تفاخر بتحضرها وتقدم مستويات حقوق الإنسان فيها، لا يترك كل العبء والمسئولية على الجهات الحكومية، ذلك ان ثقافة التطوع والمشاركة والتفاعل مع احتياجات المجتمع من أبرز سمات هذه المجتمعات، لذلك نجد الكثير من المؤسسات والجمعيات والنوادي وجماعات لا حصر لها من المتطوعين لخدمة الأغراض الانسانية، وبشكل فعّال ومنظم ومستمر، قائماً على الإيمان بفكرة التطوع والمشاركة والاستعداد الذاتي لبذل الجهد. ولقد قرأت منذ عدة أيام رسالة وصلتني ضمن عشرات الرسائل الأخرى التي تصل من مؤسسات التطوع المختلفة، كانت تلك الرسالة من مؤسسة رعاية المسنين التطوعية، وكانت عبارة عن دعوة للتبرع بثمن هدية لا تتجاوز قيمتها (10 جنيهات) تدفع على ثلاثة أشهر بالتقسيط، ومع الرسالة رسالة أخرى بخط سيدة مسنة في السبعين من عمرها تشرح فيها حالتها والطريقة التي تقضي بها أيامها وحيدة معزولة في المنزل يلفها اليأس والقنوط وانتظار الموت! الجماعة في هذه المؤسسة يقولون باختصار إن هذه السيدة والآلاف غيرها هم بشر مثلنا يحتاجون للسعادة والحنان والفرح والأصدقاء، ويتشوقون لزيارة الآخرين والاختلاط بهم والتحدث اليهم، وتبدو الحياة قاسية في ظل الوحدة واليأس وهم يقضون العمر في انتظار الأصدقاء والزيارات الدافئة التي لا تتحقق أبداً! في رسالتهم يتساءل هؤلاء المتطوعون: هل فكرتم كيف سيمر عيد الميلاد على هؤلاء الأشخاص الوحيدين في بيوتهم وملاجئهم؟ هل فكرتم كيف ستقضون عيدكم مع أهلكم وأصدقائكم؟ وكيف سيمر عليهم العيد محاطين بالكآبة ودمار الانتظار ودموع القهر؟ وفي نهاية الرسالة هناك طلب بالتبرع بقيمة الهدية مع بطاقة تهنئة مرسلة جاهزة ومطلوب منك ان تكتب فيها بضع كلمات وتوقعها لترسل مع الهدية ليشعر أولئك المسنون أن هناك من يشعر بهم ويفكر فيهم، وسيكون رائعاً لو تبرعت بساعة من وقتك تقضيها في زيارتهم! أعتقد أن الاخوة في وزارة العمل والشئون الاجتماعية يقومون بدور فاعل في موضوع رعاية الفئات الخاصة، لكنني هنا أتوجه إلى السيدة وكيلة الوزارة لشئون الفئات الخاصة تحديداً بضرورة تكثيف الجهود من أجل تأسيس جمعية أو مؤسسة تطوعية، ولتكن تحت مسمى «أصدقاء المسن والمعاق» مثلاً أو أي اسم آخر، تعمل على نشر الوعي التطوعي حيال هذه الفئات، وبالتعاون مع الإعلام (صحافة، تلفزيون، إذاعة) وعمل برامج توعية قصيرة في التلفزيون وادخال هذه الثقافة ضمن مناهج التعليم لبث روح التعاون والتفاعل في هذا الاتجاه بعيداً عن بيروقراطية وروتين الجمعيات ذات النفع العام، فنحن بالفعل نحتاج لهذا الوعي، لأنه دليل قوي على مدى وعينا وتحضّرنا واحترامنا لحقوق الإنسان، كما ان هذه الفئات بحاجة الينا، ويستحقون رعايتنا (ليست الرعاية في توفير الطعام والمال فقط) فهناك متطلبات نفسية واجتماعية مطلوب توفيرها لهم خاصة ونحن في أيام شهر كريم وعلى أبواب أعياد مباركة.. فهل تساءلنا: كيف يقضي هؤلاء أيامهم هذه وسط الوحدة والكآبة بعيداً عن الأهل والأصدقاء؟!