الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 يبدو اننا نشهد حالياً مولد نظام دولي جديد حتى مطلع التسعينيات كان هناك نظام القطبية الثنائية.. ثم طلع نظام القطبية الاحادية. والآن يبدو وكأننا دخلنا لتونا نظام القطبية التعددية. هذه هي النتيجة غير المرئية التي تعكسها المعركة الدبلوماسية الكبرى بشأن مستقبل العراق على صعيد مجلس الأمن الدولي، حيث وقفت دولتان كبريان ـ فرنسا وروسيا ـ تتحديان الاحادية الأميركية التي تبلورت على اثر انهيار المعسكر الاشتراكي السوفييتي عند بداية عقد التسعينيات. ورغم ان الملامح الاولية لهذه النتيجة اخذت في التشكل حتى قبل انجلاء غبار المعركة في مجلس الأمن، الا انها ازدادت وضوحاً من خلال تصريحات غير مسبوقة من وزير خارجية فرنسا دومينيك دوفيلبان في تعقيبه على ما جرى في مجلس الأمن. لقد قال دوفيلبان صراحة في مقابلة صحفية ان فرنسا تدعو إلى اقامة نظام دولي جديد. وشرح ذلك قائلاً: «ابعد من الأزمة العراقية كان هناك رهان أكثر أهمية: كيف نبني نظاماً دولياً جديداً يكون أكثر عدلاً وأكثر استقراراً». وقال: «اننا بحاجة إلى مباديء وقواعد في مواجهة الفوضى السائدة في العالم». ودعا الوزير الفرنسي إلى «الشرعية» بدلاً من اللجوء الاحادي والوقائي الى القوة الذي يجري الدفاع عنه في الولايات المتحدة. ومعنى هذا الكلام الخطير الصريح هو ان المعارضة التي واجهت بها فرنسا الولايات المتحدة في اطار المسألة العراقية لم تكن موقفاً عابراً معزولاً، وانما هي تعبير عن رؤية فرنسية جديدة تماماً لمستقبل التعامل في ساحة العلاقات الدولية، تقوم على مناهضة الهيمنة الأميركية على العالم بأسلوب التصرف الاحادي العدواني المستند الى القوة. واذا كانت هذه الرؤية الفرنسية الجديدة تعكس تمرداً أوروبياً شاملاً على واشنطن، فان العالم لابد ان يكون مقبلاً على صراع من نوع جديد سمته الغالبة تعدد الاقطاب. فلاشك ان التبشير الفرنسي بنظام عالمي جديد لا تتردد اصداؤه في الدول الأوروبية الاخرى فحسب، بل أيضاً في روسيا والصين واليابان. حتى الآن ارتفع صوت التمرد على المستوى الرسمي في كل من فرنسا وألمانيا. ولكن لن يمضي وقت طويل حتى تجهر بالتمرد الطبقة الحاكمة في دول الاتحاد الأوروبي الاخرى. وارهاصات هذا التحول واضحة كالشمس.. فهي تتجسد في تلك المظاهرات العملاقة الرهيبة التي ظلت تنطلق من حين لآخر في عواصم ومدن أوروبية، خاصة ايطاليا. وليس من الصعب التنبؤ بأن هذا الفوران الجماهيري المنظم سوف ينعكس على مستوى القيادات في الأحزاب الكبرى. هناك ثلاثة محاور رئيسية سوف ينعكس عليها التمرد الأوروبي الآسيوي على الولايات المتحدة: السياسة، والاقتصاد، والنفوذ اليهودي الصهيوني. على الصعيد السياسي سوف يكون الصراع العربي الإسرائيلي اكبر نقطة تصادم بين اميركا والاقطاب الاخرى، خاصة أوروبا، فالفجوة بين الموقفين الأوروبي والأميركي تجاه كيفية التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية تتسع يوماً بعد يوم، وهو تناقض يتجسد بين موقف اوروبي متوازن نسبياً وموقف اميركي منحاز بالكامل لإسرائيل. وربما يبدو ان الاتحاد الأوروبي يتحاشى على الصعيد العملي أي تصعيد لهذا التناقض وانه بالتالي يعمل على تأجيل احتمال الصدام مع واشنطن. لكن هذا الحذر الأوروبي مرده أساساً إلى تخاذل الحكومات العربية وخضوعها للارادة الأميركية. فلو ان الدول العربية حولت رهانها من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي فان الدور الأوروبي في صراع الشرق الأوسط سوف يكون اقتحامياً وجسوراً. على الصعيد الاقتصادي سوف تندلع حرب تجارية بين الاتحاد الأوروبي واليابان والصين وروسيا من ناحية والولايات المتحدة من ناحية حول كيفية تطبيق شروط تحرير التجارة العالمية. فعلى الصعيد التطبيقي تتعامل الولايات المتحدة مع اتفاقات منظمة التجارة العالمية بأسلوب احادي.. بمعنى اتخاذ اجراءات حمائية لصالح الشركات الأميركية في وجه الشركات الأجنبية بما يخل بقواعد التنافس الحر. أما على صعيد النفوذ اليهودي الصهيوني في الغرب، فان العالم يشهد الآن تنامياً متسارعاً لظاهرة «معاداة السامية» في أوروبا والولايات المتحدة على صعيد الشارع. وليس من قبيل المصادفة ان المظاهرات الضخمة التي تخرج في العواصم والمدن الأوروبية والأميركية باسم شعار «مناهضة العولمة» تلوح بأعلام فلسطينية وشعارات معادية لإسرائيل. لقد ارادت الولايات المتحدة استثمار «أحداث سبتمبر» لتثبيت مرتكزات النظام العالمي احادي القطبية. لكن يبدو انها لم تحسب حساباً لرد الفعل.