الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 خطة الطرق الأميركية التي حملها المبعوث الأميركي وليم بيرنز أثناء جولته الأخيرة في النصف الثاني من أكتوبر 2002 لم تضف شيئاً يذكر سوى عبارات لفظية كلامية محدودة على مجمل المقترحات والأفكار الأميركية التي تواتر تقديمها خلال عام مضى، وتحديداً منذ خطاب الرئيس جورج بوش الابن في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 6/11/2002 حيث أعطى الفلسطينيين وعوداً وهمية خلال بضع دقائق من خطابه، ودعا إلى إقامة دولة فلسطينية بعبارات جوالة تحتمل التأويلات المختلفة (دولة مسيطر عليها، دولة محدودة السيادة، دولة منزوعة السلاح، دولة مؤقتة...) بينما حملهم بالمقابل في الخطاب إياه مسئولية ما أسماه «اندلاع العنف في الشرق الأوسط» وبرأ دولة الاحتلال الصهيوني من ما يجري داخل فلسطين. والشيء المتواضع الذي جاءت به «خطة الطرق الأميركية» (باعتبارها وثيقة رسمية أميركية) تمثل بإعادة الحديث عن ضرورة تفكيك المستعمرات وضرورة إقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن هذا الحديث مازال معلقاً في الهواء بدون رصيد فعلي ملموس على الأرض من الطرف الأميركي، وللتذكير فإن تصريحات بوش قبل فترة : «إن الدولة الفلسطينية كانت دائماً ضمن الرؤية الأميركية شرط اعترافها بحق دولة إسرائيل بالوجود وضمان سلام دولة إسرائيل» خطوة قديمة ـ جديدة، فمنذ عام 1977 يتكرر هذا الموقف الأميركي، فقد دعا الرئيس جيمي كارتر عام 1977 إلى «حق الفلسطينيين في وطن قومي»، ودعا الرئيس رونالد ريغان إلى «كيان فلسطيني» وكلينتون إلى دولة فلسطينية وقدم خطته في مفاوضات كامب ديفيد، ولكن راوح كل هذا في إطار الشعار العام. ومع هذا، فإن التقدم المحدود في النظرة الأميركية لم يكن ممكناً أن يأتي، وأن تأتي معه «رؤية بوش للتسوية على مسارها الفلسطيني ـ الإسرائيلي»، ولا أن تأتي «خطة الطرق الأميركية لتطبيق رؤية بوش في منتصف أكتوبر 2002»، بدون فعل الانتفاضة والمقاومة وتراكماتها الوطنية الفلسطينية والدولية والإقليمية، وحتى داخل الدولة العبرية. وفي هذا السياق فان الانتفاضة والمقاومة فرضت أيضاً على «خطة الطرق الأميركية» إضافات لافتة عن «رؤية بوش» ومجموعة خبراء الرباعية الدولية (الأمم المتحدة، روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي) بشأن مسئولية ما يحدث في فلسطين فتقلصت نسبياً حدود النزق في الموقف الأميركي، وهذه الإضافة اللافتة قد تكون على خلفية سعي واشنطن لتحييد موقع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في الفترة الراهنة لصالح تحشيد قدراتها السياسية والتحالفية لصالح الحرب المتوقعة على العراق. وعليه، لم يكن ممكناً وقوع هذه التطورات في جوانبها الإيجابية والسلبية لولا المقاومة الباسلة لوحشية عمليات حكومة شارون الدموية الاحتلالية في تطويق وحصار واجتياح كل الضفة الفلسطينية وإعادة احتلالها، وإسقاط أية حصانة سياسية أو قانونية عنها، وفشل خطط ومناورات «احتواء وتصفية الانتفاضة والمقاومة» سياسياً ومادياً على الأرض. وبالرغم من كل هذه التفاعلات لم تصل خطة الطرق الأميركية إلى «لحظة الإقرار العملي» بمنطق الشرعية الدولية خاصة تجاه القضايا التفاوضية الرئيسية، وبفشل حلول اوسلو وتداعياتها وفشل الحلول الجزئية وسياسة الخطوة خطوة. فقد عادت الخطة اياها الى المزج بين سياسة الخطوة خطوة (التفاوض على مرحلتين تجزئة المجزأ في كل مرحلة.. الخ) وبين الهروب العملي عن سكة قرارات الشرعية الدولية مع افتقاد الخطة للتحديدات الملموسة والآليات، وأكثر من هذا استمرار إيغالها في الدخول بتفاصيل البيت الفلسطيني ووضعها الاشتراطات التي تضمن لدولة الاحتلال قولبة جديدة للهياكل والمؤسسات الفلسطينية على المقياس الأميركي الإسرائيلي. فقد عادت وانحصرت مطالب الإصلاحات في «هيكلة الوزارة بتوزيع الصلاحيات بين وزارة ورئيس وزراء ورئيس»، و«توحيد الأجهزة الأمنية بثلاثة أجهزة تحت إشراف «C.I.A»، و«حصر كل الأصول المالية بوزارة المالية» حتى لا يتسرب من مالية وميزانية السلطة مساندات للانتفاضة. وفي الدعوة إلى «لجنة انتخابات مستقلة»، والمطالبة بتكليف المجلس التشريعي بإعداد قانون انتخابات جديد، وتشكيل «حكومة جديدة وخلق منصب رئيس حكومة يمتلك صلاحيات، بما في ذلك ما يتعلق بإجراء التغييرات الدستورية المطلوبة» بديلاً عن حكومة اتحاد وطني تطالب بها معظم القوى الفلسطينية. وبعبارة أخرى تطرح الخطة الأميركية تشكيلات جديدة يتم من خلالها تقييد سلطات الكيان الفلسطيني المفترض تحت معادلات صارمة يتم من خلالها تهميش ومحاصرة قوى الشعب الفلسطيني، قوى المقاومة والانتفاضة. إن «خطة الطرق الأميركية» تعود إلى سياسة الخطوة خطوة، وتعود إلى جدولة تنفيذية ملموسة مطلوبة من السلطة، وتترك كل ما هو مطلوب من حكومة شارون معلق في الهواء، وبدلاً من التوازي تضع حكومة بوش «خطتها» بالتوالي، وكل هذا يترك زمام المبادرة بيد شارون وحكومته، وتترك الأمور مفتوحة على مهب الريح وفضاء اللاحلول حيث فقدان سكة الشرعية الدولية. إن الموقف الفلسطيني العملي الواقعي يفترض بالضرورة موقفاً يستند إلى نداءات الانتفاضة والمقاومة، إلى السياسة المعلنة من قبل ائتلاف قوى الانتفاضة المشكل من (13) فصيلاً بما في ذلك حزب السلطة حركة فتح، وبناء أعمدة القوة الفلسطينية عملاً ببرنامج الإصلاح الوطني والتغيير الديمقراطي الذي توصلت له فصائل الانتفاضة والمقاومة 5 أغسطس 2002 في قطاع غزة. وإقرار برنامج وطني موحد، يفتح السبيل أمام قانون انتخابات جديد وفق مبدأ التمثيل النسبي، وإقامة حكومة اتحاد وطني ائتلافية تتسع لكل القوى الفلسطينية والفعاليات والأطر والمؤسسات، وإجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية لبناء نظام برلماني ديمقراطي كما جاء في لوائح منظمة التحرير الفلسطينية. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق