الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 ليس من المبالغة القول ان النتائج التي اسفرت عنها الانتخابات البرلمانية التركية الاخيرة تعد بمثابة زلزال سياسي حقيقي ستكون له آثار شديدة على الحياة السياسية في تركيا خلال السنوات المقبلة، واذا كان من غير المتوقع ان يتمكن حزب العدالة والتنمية، الطري العود، وذو الخلفية الاسلاموية، من احداث تغييرات دراماتيكية في هوية تركيا وفي سياساتها الخارجية ـ وقد لا يكون ذلك من بين اهدافه ـ الا ان الامرالمؤكد هو حدوث انهيار كامل داخل الاحزاب التقليدية العريقة دفع بقادتها «التاريخيين» الى الاعلان عن عزمهم على اعتزال العمل السياسي. وهذا في حد ذاته كاف للاستنتاج بان انتخابات الثالث من نوفمبر ستشكل فاصلاً واضحاً بين مرحلتين سياسيتين، سابقة ولاحقة. الا ان ثمة اسئلة كثيرة تطرح الآن في هذا السياق، من دون ان تكون هناك اجابات واضحة على اي منها. من المتفق عليه لدى مختلف المراقبين ان الانهيارات المتتالية التي شهدتها حكومة بولنت اجاويد خلال الصيف الفائت باستقالة عدد من الوزراء البارزين، وكذلك حزبه «اليسار الديمقراطي» الذي تعرض لهزة مماثلة بانسحاب 41 من نوابه تضامناً مع نائب رئيس الوزراء حسام الدين اوزكان المستقيل كان لابد لها من ان تترك آثاراً سلبية جداً، لا على اداء الحكومة فقط، ولا على سمعة رئيسها المريض فحسب، بل على الحياة السياسية في صورة عامة حيث الصراعات الحزبية تستبد بالجميع، وعلى اقتصاد البلاد الذي يشهد تراجعاً مستمراً، وعلى علاقات تركيا الخارجية في الوقت الذي تواجه عدداً من الاستحقاقات الوطنية الرئيسية. ومع ان انتخابات برلمانية مبكرة كانت تبدو امراً ضرورياً للخروج من هذا الوضع المعقد، نظرياً على الأقل، لكن بدا وكأن هناك محاولة لاستبعاد هذا الخيار الديمقراطي بعدما اظهرت استطلاعات الرأي ان حزب «العدالة والتنمية» الذي يقوده رجب طيب اردوغان، والمتهم بتوجهاته الاسلامية، يتقدم مختلف الاحزاب التقليدية. الاستقلال والانسحاب كان السؤال المطروح حيال هذا الوضع، سراً وعلناً، حول موقف المؤسسة العسكرية التركية، ذات النفوذ البالغ، واحتمالات تدخلها لحسم الامور في اتجاه ما. لكن هذه المؤسسة بدت حذرة، هذه المرة، بفعل المتابعة الاوروبية الدقيقة لما يجري داخل تركيا، ولأن الكثيرين يرون بأن هذا الوضع السياسي المتعفن انما هو محصلة لدور المؤسسة العسكرية المهيمن والذي يقوم على اساس ابقاء الصراعات مستفحلة بين الجميع حتى تتمكن من لعب دور المنقذ في نهاية الامر ومع ان المراقبين لم يلحظوا تدخلاً فظاً وسافراً للجيش في مسار اللعبة السياسية الديمقراطية خلال المرحلة التي سبقت الانتخابات ورافقتها ـ خلافاً للمرات السابقة ـ الا ان هذا التدخل ظهر عبر بعض التحركات والخطوات ذات الدلالات السياسية. التحرك الاول حدث عبر تقديم وزير الخارجية في حكومة بولنت اجاويد اسماعيل جيم استقالته، الصيف الفائت ثم تلاه وزير الاقتصاد كمال درويش، الذي جمد استقالته لاحقاً نزولاً عند رغبة رئيس الجمهورية احمد نجدت سيزير وقيل في ذلك الحين ان المستقيلين ينويان تشكيل حزب جديد من مهماته الاساسية تعزيز علاقة تركيا بالغرب، اوروبياً وأميركياً. والمعروف عن الوزير جيم انه اضطلع بدور رئيس في تطوير علاقات تركيا بالاتحاد الاوروبي وفي التمهيد لعلاقات ودية مع اثينا العدو التقليدي لأنقرة، بحيث تحول الموقف اليوناني من المطالبة باغلاق الباب الاوروبي في وجه تركيا الى العكس تماماً، اذ ابدت الحكومة اليونانية مرونة واضحة ازاء الاستجابة التركية لشروط الانضمام الى الاتحاد الاوروبي. كما يعرف عن كمال درويش انه مهندس برنامج الانقاذ الاقتصادي ويقوم بدور رئيسي وحاسم بالنسبة لحفظ الانتعاش الاقتصادي المدعومة بقروض من صندوق النقد الدولي يبلغ حجم القسم الاول منها ستة عشر مليار دولار، وكانت الحكومة التركية استعانت العام الماضي بالمسئول السابق في البنك الدولي لمساعدتها في الخروج من أسوأ ازمة اقتصادية شهدتها تركيا وفقدت فيها العملة الوطنية نصف قيمتها. التحرك الثاني حدث من خلال موجة التمرد التي اجتاحت حزب «اليسار الديمقراطي» الذي يتزعمه رئيس الحكومة، حيث انسحب 41 نائباً من الحزب تضامناً مع نائب رئيس الوزراء حسام الدين اوزكان الذي استقال احتجاجاً على رفض اجاويد الاستقالة بسبب المرض الذي يمنعه من ممارسة مهماته في صورة طبيعية وفي اعقاب ذلك ارتفعت اصوات كثيرة داخل الاحزاب التركية الرئيسية تطالب باجراء انتخابات برلمانية مبكرة. قطع الطريق في اتجاه آخر، جرى تنفيذ اجراء قضائي بمنع رئيس حزب «العدالة والتنمية» رجب طيب اردوغان من استعادة حقوقه السياسية، وفي مقدمتها حقه في خوض الانتخابات البرلمانية، وهو ما سيحول دون تكليفه بتشكيل الحكومة التركية الجديدة برغم نيل حزبه 34 في المئة من اصوات الناخبين واكثرية نيابية تبلغ 363 مقعداً من اصل 550 مقعداً. وكان اردوغان ادين في عام 1999 بالتحريض على الكراهية الدينية لتلاوته شعراً دينياً خلال تجمع حاشد عندما كان رئيساً لبلدية اسطنبول. وقد امضى في السجن اربعة اشهر (من اصل عشرة اشهر) حيث اطلق سراحه بموجب عفو. وفي اثناء ذلك اقر البرلمان التركي مجموعة من الاصلاحات (في اطار استجابته لشروط الاتحاد الاوروبي) شملت الغاء المادة 312 من قانون العقوبات التركي التي ادين بموجبها اردوغان لكن محكمة الاستئناف اعتبرت ان الغاء المادة المذكورة ليس له مفعول رجعي، وبالتالي فإن سجل اردوغان العدلي (صحيفة سوابقه) يظل غير نظيف بسبب عدم ازالة الحكم الجنائي عنه. وعلى اثر ذلك تقدم اردوغان بطعن (بعد اقرار الاصلاحات الدستورية) لدى المحكمة التي حكمت عليه طالباً الغاء الحكم واعطاءه شهادة (لا حكم عليه)، حتى يتمكن من خوض الانتخابات، فاستجابت المحكمة لطلبه الا ان محكمة التمييز اعترضت على القرار وألغته فوراً. وهكذا.. حقق حزب العدالة والتنمية فوزه الساحق في الانتخابات الاخيرة ولكن من دون ان يكون لرئيسه وقائده الحق، لا في الترشيح ولا في استثمار هذا الفوز، ولا في ممارسة اي دور رسمي في المستقبل. ماذا يعني هذا التمييز بين الحزب وقائده؟ وهل ان العقبة «القضائية» هي التي تحول فعلاً دون استعادة اردوغان كامل حقوقه السياسية؟ وكيف يمكن قبول منطق الغاء العقوبة والاحتفاظ بنتائجها، وهل تستطيع السلطات التركية اقناع الاتحاد الاوروبي، لا سيما المحكمة الاوروبية التي سترفع القضية اليها، بسلامة موقفها في حال الاصرار على التمسك بالحظر المفروض على اردوغان؟ ربما تستطيع السلطات التركية ان تقول للاتحاد الاوروبي انها احترمت اللعبة الديمقراطية وتركت لجميع القوى والاحزاب السياسية حرية ممارستها، على الرغم من ان النتيجة تمثلت بفوز حزب اسلامي، وعلى نحو لم تشهده تركيا من قبل، اما رئيس الحزب الذي حقق هذا الفوز فله قصة اخرى تنطوي على «عقدة قضائية»، والقضاء في تركيا مستقل. زمام المبادرة بيد ان المحللين لا ينظرون الى الامر بمثل هذه البساطة و.. البراءة، فصحيح ان النظام التركي مهتم بالانضمام الى الاتحاد الاوروبي ويراهن على هذه الخطوة الكبيرة والحاسمة في استكمال هوية تركيا الحديثة، لكن الصحيح ايضاً انه يخشى ان يفلت منه زمام المبادرة في الداخل فيفقد القدرة على حسم الامور في الاتجاه الذي يريد، وفي الوقت الذي يشاء. فاكتساب الهوية الاوروبية ليس هو المسألة الوحيدة التي يتعين اتخاذ موقف حازم وحاسم منها، فهناك العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهناك الحرب المحتملة ضد العراق. وفي الداخل هناك النظام العلماني، وهناك القضية الكردية، ومن المعروف ان المؤسسة العسكرية تعتبر نفسها الضمانة الاولى والاخيرة في كل ذلك. واستطراداً، فإن المحللين الذين يبدون مقتنعين بأن فصل الحزب عن قائده، لا سيما في مرحلة انطلاقته الاولى، يؤدي حتماً الى اضعافه، يتوقعون ان يترتب على ذلك حدوث انشقاق داخل الحزب يصبح فيه القائد المؤسس في جانب، والرئيس الفعلي، الذي سيصبح رئيساً للحكومة (بحكم الامر الواقع) في جانب آخر. ومن هنا قول رجب اردوغان «ان البلاد لا يمكن ان تحكم بواسطة رئيس وزراء بدون سلطات» وقوله ايضاً «اذا حاولنا الحكم مع رئيس وزراء وهمي فإن الحزب سيتلقى عندها ضربة قوية». ولعل ما قصد اليه اردوغان في عبارتيه الاولى والثانية واضح تماماً. اذ انه يشير الى احتمال تكليف نائبه عبدالله غول تشكيل الحكومة المقبلة، بينما يلعب هو دور الموجه من خلف الستار. ولقد اثبتت مختلف التجارب الهائلة، في دول عديدة، ان هذه الازواجية في الحكم سريعة الفشل لأنها تنتج قدراً هائلاً من التناقضات والحساسيات الشخصية، فضلاً عما تضيفه خصوصية النظام التركي التي تتميز بدور مؤثر، ظاهر او باطن، للمؤسسة العسكرية، فتصبح القيادة ثلاثية، لا ثنائية فقط، وتتحول التناقضات اليومية الى خلافات كبيرة، فتعود لاحقاً الى نقطة الصفر، حيث «يختلط الحابل بالنابل» وتضيع المسئوليات بين هذا وذاك، وتنتهي التجربة الى فشل ذريع. توزيع التطمينات لقد حرص رجب اردوغان على ان يقدم اكبر قدر من التطمينات للداخل والخارج في آن: حول اعتدال حزب العدالة والتنمية ولا اسلاميته (بالمفهوم السلبي السائد) وتمسكه بالنظام العلماني، وقناعته الاستراتيجية بالارتباط بأوروبا، ودور تركيا ضمن حلف شمال الاطلسي، والعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. اما في موضوع الحرب المتوقعة ضد العراق فقد اكتفى بتكرار ما يقوله الآخرون من ان اي خطوة تتعلق بالعراق لابد ان تمر عبر مجلس الأمن الدولي. المحللون مقتنعون بأن حزب العدالة والتنمية لن يكون قادراً على احداث اية تغييرات جوهرية في تركيا، على الرغم من فوزه الكاسح الذي يؤهله للحكم بمفرده، فرئيسه المنتصر ما زال يبحث عن موقع له داخل النظام العلماني، حتى لا يكون مصيره كمصير سلفه نجم الدين اربكان، او يعود الى السجن مرة اخرى بتهمة جديدة. مشكلة اردوغان ليست مع الخارج، بل هي مع الداخل، ومع المؤسسة العسكرية تحديداً، برغم قول رئيس اركان الجيش «ان النتائج تعكس ارادة الشعب.. لذا فأنا احترمها». فكيف يستطيع البطل المنتصر «تنظيف» سجله العدلي، ليصبح رئيساً للحكومة.. على الأقل!! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا