الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 بخمسة عشر صوتا ضد لا شيء تبنى مجلس الأمن مساء الجمعة الفائت الاقتراح الأميركي الأوروبي الخاص بنزع أسلحة الدمار الشامل من العراق، وهو قرار من القرارات الدولية القليلة التي صوّت لها بالإجماع في مجلس الأمن، وكان التخوف أن تستخدم أي من الدول الثلاث المعارضة نسبيا، التي لها حق الرفض، حقها في الرفض (الفيتو) الذي لم يستخدم ضد قرار أميركي منذ سنة 1956 عندما استخدمته فرنسا وبريطانيا آنذاك ضد الولايات المتحدة في حرب السويس، إلا أن الظروف اختلفت منذ حينه. وبأية لغة أراد المتابع أن يقرأ القرار الجديد وتفاصيله الدقيقة والمناورات التي سبقته، فانه سوف يجد ان القرار يقول بوضوح للعراق أن زمن التسويف والتعطيل والمناورة قد ولى، فهو كما وصف نفسه «آخر فرصة للعراق»، فلم يعد أمام النظام العراقي في المستقبل القريب إلا أن يوافق على كل تفاصيل القرار، وبالقراءة أو التفسير الأميركي أيضا. من يقرأ القرار على انه قرار دبلوماسي مؤقت وظرفي قد ينتج عنه في القريب انفراج يعيد الأمر إلى التفاوض والأخذ والرد، فهو من جهة لا يقرأ صيغة القرار قراءة واضحة، ومن جهة أخرى فهو لا يعرف حق المعرفة ردود فعل النظام العراقي في مثل هذه الحالة، لأن القرار لا يتيح فسحة لأي احتمال بالمناورة، كما أن البيان الذي ألقاه رئيس الولايات المتحدة في واشنطن بعد بضع دقائق من تبني القرار في نيويورك، ظهرت فيه نبرة التحذير الواضح بأن الولايات المتحدة لن تعيش تحت رحمة أية مجموعة أو دولة تهدد السلام العالمي، وان على العراقيين العاملين في برامج أسلحة الدمار الشامل أن يتقدموا بالمعلومات التي لديهم للجان التفتيش، بالوثائق والمناطق. أما الفكرة الأقوى فهي عندما قال الرئيس بوش «نحن نريد التخلص من أسلحة الدمار الشامل وعلى النظام العراقي أن يقرر كيف». سد الذرائع مثل هذه الصياغة المشددة التي تبعها بعد لحظات رئيس الوزراء البريطاني بشيء مشابه في اللغة وفي التوجه، تدل على أن القرار ما هو إلا صيغة دبلوماسية وسد للذرائع تعطل في المستقبل أي لوم قد تتبناه جماعات أو دول في حالة التدخل العسكري الذي لا يبدو أن قطاره الذي تحرك سيتوقف. من جهة أخرى فقد صيغ القرار وكأنه درس الوضع النفسي الذي يحاصر القيادة العراقية التي لديها قدرة هائلة على قراءة الموضوعات بشكل عكسي. لذا فان القرار لا يدع مجالا للشك أن المفتشين القادمين إلى بغداد هذه المرة هم فوق أية عقبات يمكن أن توضع أمامهم، بل أن على الدولة العراقية أن تتعاون مع طلبات لجان التفتيش على أنها أوامر وإلى آخر مدى، فهي لجان لا يمنعها مانع ولا يقف أمامها عائق، ونتيجة عملها هي التي سوف تقرر مستقبل العراق لعقود كثيرة قادمة. باختصار أن آخر ذرة من «السيادة» كما عرفها القانون الدولي والممارسات المستقرة قد سقطت. القراءة الحقيقية للبيان انه لم يعد أمام النظام في العراق كثير من الوقت ولا يستطيع بأية مناورة أن يشتري وقتا مضافا على ما استهلك منه إلى الآن. لقد تسربت معلومات مباشرة بعد صدور القرار أن الدول التي وافقت عليه، خصوصا الدول دائمة العضوية، كانت أمام مرحلة تاريخية صعبة، فقد حذرت الولايات المتحدة، ومن خلف الكواليس من أن عدم الاتفاق على قرار دولي تجاه العراق سيعرض الأمم المتحدة لمثل ما تعرضت له سميتها الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، وهي عصبة الأمم، فقد وقفت الأخيرة مكتوفة الأيدي أمام عدد من الانتهاكات الدولية أعجزتها عن الفعل مما تسبب بالإطاحة بتنظيمها الكامل، وظهرت بعدها الأمم المتحدة التي قادت بنجاح نسبي الأمن العالمي بعد الحرب الثانية حتى اليوم. لقد كان التهديد الأميركي جدياً، وخاصة بعد الانتخابات النصفية الأخيرة في الولايات المتحدة في بداية هذا الشهر الذي وفرت للرئيس بوش وادارته تفويضاً شبه كامل لتنفيذ سياساته التي يراها، كما أرسلت رسالة لكل الدول أن الولايات المتحدة جادة فيما تسعى إليه. والاحتمالات الممكنة بعد ذلك كثيرة ومتعددة، منها أن يقوم العراق في الأسابيع القليلة المقبلة بالتعاون الكامل مع كل فقرات القرار الجديد والمتشعب، ولكن الاحتمال الأكثر قربا إلى الواقع هو الفشل في التطبيق، حيث أن القرار صيغ كي يعجز العراق عن تنفيذه حتى لو أراد، وهو بالتأكيد لا يريد أن يفعل ذلك بناء على ماض طويل من المناورات السياسية والتسويفات، ومحاولة شراء بعض الأنظمة أو الناس أو الوقت. فاحتمال الفشل وارد وهو اقرب من احتمال النجاح. احتمالات المستقبل لقد ركز الأعلام العراقي في الأشهر القليلة الماضية على أن استهداف العراق هو استهداف للمنطقة، وهي مقولة كثيرا ما ترددت في الأعلام العراقي أو التابع له، أو على لسان الساسة العراقيين، وما كان ذلك إلا ضربة سيف في الماء، فقد جاء تصويت سوريا في مجلس الأمن لصالح القرار الأخير يسقط مقولة الأعلام والساسة العراقيين تماما، وقد تابعت وسائل الأعلام الغربية الموقف السوري الذي هو عضو في مجلس الأمن في هذه الدورة، أكثر مما تابعت أي موقف آخر من أعضاء مجلس الأمن الحاليين، لسبب واضح هو معرفة ردة فعل بعض الدول العربية، وقد تفهمت كثير من هذه الدول التيار الدولي ضد العراق والذي لا تستطيع أن توقفه وإن أرادت ذلك. مما رشح من معلومات إبان المعركة السياسية الشرسة التي دارت خلف أبواب مغلقة في الأسابيع القليلة الماضية، واحتاجت إلى إقناع وأيضا إلى اذرعه ومكالمات دولية على ارفع مستوى، أن حدود العراق الدولية لن تمس في المستقبل، ومن المفارقة أن حدود العراق الدولية في الشمال قد قررت من قبل عصبة الأمم المتحدة، وفي الجنوب قد قررت من قبل الأمم المتحدة، فهذه الحدود ووضع الدولة العراقية الحالية لن يتغير، هذا ما قاله بعض أعضاء مجلس الأمن نقلا عن تأكيدات من الولايات المتحدة، وهو بحد ذاته مؤشر على أن الأمر اكبر من لجان تفتيش. القرار الأخير لمجلس الأمن قد يكون ظاهريا، هو حل وسط بين ما أرادته الصقور في الإدارة الأميركية وما أراده بعض المستشارين ومنهم مستشارو بوش الأب مثل جيمس بيكر وبيرنت سكوكروفت، وأيضا بعض الأصدقاء والحلفاء مثل رئيس الوزراء البريطاني ورئيس الجمهورية الفرنسي، إلا أن الصياغة التي ظهر بها القرار لا تدع مجالاً للشك أن رأي الإدارة الأميركية هو الذي ربح في نهاية المطاف، ولو بتنازلات قليلة. والمستقبل مشحون بالاحتمالات، فالدول العربية لا تستطيع أن تفعل شيئا يذكر الآن، وهذا أيضا موقف معظم الدول الأخرى، فقرارات مجلس الأمن ملزمة لجميع الدول، والقول أن حربا يمكن أن تنشب هي تحصيل حاصل، إلا أن التفكير باحتمالات أخرى ممكنة يبقى وارداً على أي حال. فمن المحتمل ـ وقد جاءت الرسالة واضحة وجلية ـ أن يتخلى الرئيس العراقي والنخبة القليلة حوله عن السلطة باتفاق دولي ويعمل لذلك منذ الآن. ورغم «مثالية» هذا المنحى فربما يجد هذا المخرج قبولاً دولياً وحتى أميركياً في الأسابيع الأولى، ولكن إذا تأخر هذا الخيار فسيكون من الصعب قبوله في الساعة الخامسة والعشرين. أما الاحتمال الآخر فهو أن تقوم النخبة البعيدة نسبيا عن القرار في بغداد، وخاصة النخبة العسكرية، بتسلم السلطة، وهو احتمال وارد، قد يتخوف البعض منه لأنه سيطلق صراعاً داخلياً مكلفاً. ولكنه إذا تم فان تكلفته هي اقل عبئاً على الشعب العراقي مما تتكلفه باقي البدائل. وقد يكون هذا الخيار أهون الشرور. ـ كاتب كويتي