الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 شهدت الحياة الاجتماعية في الوطن العربي في بدايات القرن العشرين تغيرا ملحوظا على مستويات مختلفة بدءا من التعليم ومرورا بواقع المرأة، وانتهاء بظهور الاحزاب والجماعات التي انشئت على اساس سياسي او ديني في تلك الفترة التي بدا فيها العالم العربي جادا في مقاومة الاستعمار، وتضميد جروح الايام، ومصالحة الزمن الذي مضى قرونا عدة يسير في غير صالح المسلمين!! وما يهمنا اليوم هو الوقوف على اثر تلك التغيرات الاجتماعية على وضع المرأة التي نالها من الظلم الشيء الكثير في القرون المتأخرة، والذي جعلها طعماً سائغا للجهل والتصورات السلبية حول امكاناتها ودورها الذي تستطيع اداءه في الحياة!! ولقد اتت رياح التغيير على هذه المسألة المهمة وقلبت ملف المرأة رأسا على عقب، وأعادت صياغة المشكلة وقدمتها بطريقة اقل ما يقال عنها انها مرتجلة، وانفعالية وعاجزة عن استيعاب متطلبات مرحلة التأسيس لثقافة جديدة تحترم عقل المرأة، وتفسح لها المجال للمشاركة والتأثير. فقد خرجت نظريات تطالب المرأة بتحطيم الاصفاد والقيود والخروج من القمقم الذي حبست فيه قرونا عديدة الى الشارع والحياة العامة، دون ان تتوفر ارضية فكرية جيدة تحمي انطلاقة المرأة، وتحفظ عليها توازنها، وتختصر عليها المسافة نحو تحقيق النجاح الذي اصبح قاب قوسين أو ادنى منها!! ولا يخفى على المتابع ان (مصر) كانت هي المسرح الذي شهد الدعوة الى تحرير المرأة من خلال تلك الرموز التي خرجت في الثلث الاول من القرن العشرين لتطالب المجتمع بأن يفسح المجال للمرأة لتنال حظها من التعليم، ولتمارس حرية التعبير عن الرأي، والوقوف فوق المنابر لكي يصغي الجميع الى صوتها الذي انطلق من عقاله، واخترق الآفاق، مصمما على ان يجتاز العقبات وان يتحدى الازمات، وان يعبر عن احلامه وآماله دون خوف او كبت!! وكما أشرنا قبل قليل فقد تضاربت ألوان الصورة واختلطت الحقائق بالادعاءات في هذه القضية التي صار المجتمع مهيأ بأسره لينتمي الى أي تفسير يدعي العلم والمعرفة بأفضل الممارسات لاعادة حق المرأة المسلوب اليها، والاعتذار ـ بلسان الحال ـ عما لحق بها من اذى نفسي كبير في عصور الانحطاط والتراجع!! ولكن المعالجات التي ظهرت في ذلك الوقت كانت سطحية ولم تتناول الجذور التي نتجت عنها تلك المشكلة المزمنة التي كان من اهم مصادر تكوينها وبقائها زمنا طويلا الجهل بالموقف المسئول الذي تبناه الاسلام من مشاركة المرأة في الحياة العامة، والذي حسم لصالح احترام كيانها واتاحة الفرصة لها لتدلي بدلوها في احداث الحياة الكبرى!! لقد كانت الحكمة تقتضي ان تعالج المشكلة في ظل الرؤية الحضارية التي قدمها الاسلام وكان من الانصاف ان ينقى الدين مما شابه من الشوائب التي لصقت به، ونسبت اليه زورا، ولكن ذلك لم يحدث على الاطلاق، بل حدث عكس ما هو متوقع ممن سموا أنفسهم دعاة تحرير المرأة حين نسبوا الممارسات السلبية في حق المرأة الى الاسلام، وكان ذلك قصورا منهم، وتسبب في ان تتهاوى مصداقيتهم تحت الاقدام بعد ان نسبوا الى الشريعة عمدا او جهلا، قصدا أو غفلة وعدم ادراك تلك الاحباطات التي عانت منها المرأة المسلمة في الماضي. وقامت الداعيات الى تحرير المرأة في الثلث الاول من القرن العشرين بنزع الحجاب اثناء تظاهرة كبرى شهدتها جمهورية مصر العربية، وترددت اصداؤها في أرجاء العالم العربي، وكأن عصر المرأة الجديدة قد أقبل ولكن! في الاتجاه المعاكس لمقاصد الاسلام ورأيه في هذه المسألة. ولقد كان ذلك التصرف الساذج كافيا لتشتيت الجهود، وبعثرة أوراق القضية من جديد!! وبدلا من ان توظف الارادة الحية المنطلقة من عقالها وصمتها الطويل في اتجاه تحصين المرأة من الوقوع في اخطاء قد تجر عليها وعلى قضيتها مشاكل كبرى كانت في غنى عنها، وجدت المرأة نفسها وجها لوجه امام الدين، ومطلوب منها ـ حسب منطق الدعاة الى تحريرها في تلك الفترة ـ اذا ارادت النهوض ان تتجاوز الدين وترمي باحكامه المتعلقة باللباس والاحتشام لكي تحقق ما تريد!! ويبقى السؤال الخطير: هل انصف هؤلاء الدعاة المرأة؟ وهل كانوا انصارها الحقيقيين في رحلتها نحو استخراج شهادة الاعتراف بها على الطريقة التي كانت تتمنى؟ اجابة هذا السؤال قدمت جزءا منه زاوية اليوم على وعد ان يجاب في الغد بمشيئة الله عن الاجزاء الاخرى.