الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 ما الذي اوصلنا كعرب إلى هذه الحالة المزرية التي نتنفسها ليل نهار، صحواً ونوماً، للدرجة التي بدأت اعتقد فيها ان اطفالنا يتشبعون بها وهم أجنة في بطون أمهاتهم؟ هناك العشرات من الأسباب التي جعلتنا نصل إلى ما نحن فيه، منها تخلفنا الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وتخلف مناهج تعليمنا وثقافتنا، واعتمادنا على الغير في مجالات كثيرة، من رغيف الخبز الى السلاح، ومن سجادة الصلاة والجلباب العربي إلى أدوات وآلات الانتاج إلى أجهزة المعرفة ومحتوياتها، تلك اسباب لا يختلف عليها أحد وتتفرع منها مئات الأسباب الصغيرة، لكن هناك سبباً اضافياً اعتقد انه جوهري ولا يلتف إليه الكثيرون.. هذا السبب بصراحة هو موت النخبة المثقفة أو في احسن الحالات فسادها. في كل مجتمع يمر بحالة أزمة أو هزيمة، يفترض ان تقوم نخبته المثقفة وقادة الرأي فيه ومجتمعه المدني بتوصيف المشكلات توصيفاً حقيقياً والتوصل إلى حلول حقيقية وقيادة الشعوب إلى الطريق الأمثل للخروج من أزمته. ذلك ما يحصل في كل دول العالم، وحدث عندنا في وطننا العربي اثناء الفترة الاستعمارية، حينما كان المثقفون هم رأس الرمح في مقاومة المحتل، ليس بحمل السلاح، لكن بتنوير وتفتيح عقول المواطنين البسطاء نحو الطريق الصحيح. المثقف الحقيقي ليس هو ذلك الشخص الذي قرأ آلاف الكتب، أو حفظ مئات النظريات، أو اجاد عشرات اللغات الأجنبية، أو سافر واحتك كثيراً بالمجتمعات الأخرى، قد يكون كل ذلك جميعاً، لكنه اولاً واخيراً هو ابن مجتمعه وامته، هو ضمير هذه الأمة الحي، يتألم لآلام شعبه، ويضحي بنفسه من أجل ما يعتقد انه الصواب، هو باختصار ملح الارض، ينحاز للحق حتى لو كان سيف السلطان مسلطاً فوق رقبته، وكم رأينا من مثقفين وعلماء ضحوا بأنفسهم من أجل كلمة حق واحدة في ماضينا البعيد والقريب. اين هذا المثقف مما يحدث الآن، وهل طبقة مثقفينا ونخبتنا ينطبق عليها التوصيف السابق؟! أغلب الظن ان الاجابة هي لا، وحاولوا بقليل من الجهد ان تتأملوا ماذا يفعل غالبية مثقفينا او ماذا تفعل نخبنا المثقفة في كافة المجالات؟ سوف نكتشف بسهولة شديدة ان ما يمكن ان نطلق عليهم بالنخبة المثقفة قد خانوا ادوارهم، والاهم خانوا ضميرهم ووطنهم وامتهم، وارتضوا ان يصبحوا عبيداً للسلطان، اي سلطان، حتى لو كان مجرد رجل اعمال يملك بضعة آلاف من النقود، او صاحب صحيفة او محطة فضائية أو حتى مجرد تاجر للفراخ او الخردة او الافكار، لا فرق. ومن يتأمل المشهد العربي الحزين في اللحظة الراهنة، سوف يكتشف بألم ان كثيرين من رموز هذه النخبة قد احترفوا مهنة النضال عبر الفضائيات، وجزء كبير منهم يعلم علم اليقين انه اجرم في حق امته، ولذلك يرتضي بعدم المجاهرة بذلك، لكنه يخدم اسياده في صمت، وجزء آخر يمكن ان نطلق عليه «بالمثقف الفاجر»، ذلك انه يعلم انه خان اهله، لكنه رغم ذلك، يخرج علينا ليل نهار عبر وسائل الاعلام ليصرخ مستنهضاً الهمم، ومطلقاً اخر صيحة من الشعارات القومية والعروبية بل والإسلامية، لكنه آخر الليل يذهب إلى اسياده ليقدم لهم التقارير ضد شعبه! أما الجزء الأخير فهو «المثقف الخائن» وهذا النوع لا ضرر منه طالما انه يجاهر بخيانته علنا. قد يتهم البعض السلطة بأنها السبب، وذلك صحيح إلى حد كبير، لكن هذا البعض ينسى أو يتناسى ان السلطة في كل زمان ومكان وظيفتها هي الحفاظ على وجودها، ولذلك نراها تفعل كل شيء من اجل ذلك، من هنا، فالادانة الحقيقية ينبغي ان توجه لهذا المثقف وحده، ذلك ان الناس البسطاء وثقوا به، لكنه اجرم في حقهم، ليس فقط لانه باع نفسه، لكن، وهذا هو الاخطر، لان اي عمليات تحول حقيقية لشعب من الشعوب لا تتم الا عبر هذا المثقف وهذه النخبة في وسائل الإعلام والجمعيات والنقابات والاحزاب، والا تحولت هذه العمليات إلى مجرد هبات ومسيرات في الهواء، تكون فقط لمجرد التنفيس ولا تراكم شيئاً مما يسمى بالنضال الجماهيري. لا أمل يرجى في الاصلاح وبدء الخروج من المأزق الشامل الذي نعيشه الا عندما تتوقف النخبة الفاسدة عن الاجرام في حق نفسها وامتها، واذا استمر الحال على ما هو عليه، فالكارثة أعظم!! emadiraqi@yhoo.com