الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 أريد أن أحدثك الساعة عن عمل فني فرغت الآن من قراءته ومازالت متعة الفن كحلوى الشهد تسرى في الاعطاف وتخفف ـ علم الله ـ مما علق بالنفس من أشجان وهموم. هذا كاتب نقرأ له شخصيا للمرة الأولى اسمه أمير تاج السر وطبعا واضح من الاسم أنه من السودان فمن غير أهل السودان يتعامل في تلك الأسماء ذات المذاق الخاص والإيقاع الفريد. تاج السر. سر الختم. بابكر. واضح أيضا أن الكاتب يحكي سيرة حياة وقد اختار لعمله عنوانا رئيسيا هو : «مرايا ساحلية» وعنوانا فرعيا هو «سيرة مبكرة ». ويعلم الله أيضا أن شدنا إلى هذا العمل نفحة عروبية كما قد نسميها. فالمبدع من السودان والكتاب مطبوع في المغرب «الدار البيضاء » والكلمات التي تحمست للكاتب حماسا فنيا واحتفلت به كإضافة لها بريق الماس إلى عمود الإبداع العربي جاءت من صديقنا الروائي الكبير جمال الغيطاني الذي قال ان أمير تاج السر يمكن أن نسلكه في زمرة الكتاب العالميين. كما جاءت أيضا من الناقد العراقي فاروق يوسف الذي وصف تاج السر بأنه ساحر يعبئ قبعته بالوقائع وسحره لا يخطئ هدفه أبدا. وهكذا كان. روائي يكتب عن السودان وينشر إبداعه في المغرب وتتحمس له القاهرة وتصفه بغداد بالساحر الذي لا تفرغ جعبته من كل مبهر وعجيب. هذا إذن وطن العرب ـ رغم خيبات السياسة وهوان الساسة وتهديدات الطغاة. مازال يبدع ومازال إبداعه يسري بين جنوبه المنفتح على أفريقيا إلى مغربه المنفتح على أوروبا إلى مشرقه البغدادي المنفتح على آسيا. دع عنك واسطة عقده في القاهرة التي يأتيها المدد من كل هذه الروافد ليروي نهرها ويجدد ثقتها، وثقتنا أيضا في أن شمسا عربية لابد وأن تطلع يوما على الآفاق وأنا لا أعرف أي لمحات شخصية عن أمير تاج السر. ولكنه يروي قصته بضمير الأنا المتكلم ويتضح من سطور الحكاية أن الراوي طبيب متخصص في علاج العيون. وهو يجدل ضفيرة وضاحة ممتعة بين الذاتي ـ حياة البطل وأسرته وبين الموضوعي ـ إطار الحياة العريض الأوسع في ميناء. مدينة ساحلية لعلها بور سودان. الضفيرة نابضة بالحياة. بالشخوص ـ بالمشاعر تعزف سطورها أوتار التطور ـ بالأدق،التغيرات التي اعترت حياة الناس في الميناء الساحلي ربما منذ منتصف القرن الماضي وحتى قرب نهاياته. الكاتب يتعامل مع شخوصه بروح مفعم بالإنسانية، التعاطف، التواصل والحدب الممزوج بالفهم والموشى بالمحبة. لكن الاهم هو أسلوب القص في سطور الكتاب تلك القدرة الفذة على اجتراح اللفظ وصوغ العبارة مشحونة بالمشاعر والرؤى، فإذ بك تطالع سبيكة تعكس ما قد نسميه دراما الحياة التي لا ينفرد فيها أحد ببطولة خارقة أو دور متفرد أو مخصوص. الكل أبطال لأنهم ـ كما أشار يوما أناتول فرانس ـ يولدون ويعيشون ويكابدون المعاناة إلى أن تأتيهم النهاية وتعالي إلى سوق المدينة. في ذلك السوق يقول الكاتب كان لجعفر ألوان «هذا هو اسمه »الذي تصخمت جنيهاته فيما بعد وأكل عدة نشاطات تجارية في السوق الكبير، بدايات عرجاء شهدنا عرجها في بيع الحلي الفالصو وأدوات البلاستيك، ومشابك الغسيل وكشاكشين الأطفال وعطور باريس القديمة. كان نوبيا متوسط العمر، والطول والشطارة لا يحمل فكاهة ولا ظرفا ولا يبشر بأي شيخوخة رأسمالية. وكان باعة السوق والمشترون وصعاليك التنزه والغزل ينادونه بالصول «مساعد الضباط» ويسخرون من زيه الكاكي الذي لا يعرف أحد لماذا اختص به جسده دون سائر الأزياء، فهو لم يشارك في عسكرة ولا حرب ولا يفرق بين الرصاصة والنبق : كان يرطن بمتعة ويبيع بصبر ويأكل سندويتشات مغلفة بورق الجرائد. ثم صورة ثانية من داخل سور مستشفى المدينة الوحيد. إنها شخصية «آدم كذب » اسمه هكذا «ابن السبيل الدائم. الذي ظل ثلاثين عاما يشوه حكمة الصدقات بقصة مرتبكة عن حضوره إلى الساحل من إحدى الجهات يقصد تجارة. وعن سرقة أمواله وأمتعته، ثم حاجته إلى مبلغ صغير من المال من اجل تذكرة القطار حتى يعود إلى أهله. لقد حصد آدم من تلك القصة المرتبكة ثروة تكفي لشراء قطار بركابه وربما هيئة السكة الحديد كلها. لم يكن يتخفى ولا يغير معالمه ولا يرتبك بقصته في مسرح آخر سوى المستشفى كان هو آدم المعروف أكثر من جوع البطن، يكبر مع الناس، يمرض معهم. وبرغم ذلك كانوا يعطونه. لعلها الطرافة هي التي كانت تنحشر بين المنح والمنع وترجح كفة المنح. أو لعله الغباء لا أدري. وفي اليوم الذي أتيح لي أن أخاطبه فيه. خاطبته بالفعل. كنت أعمل بالمستشفى وكان أحد مرضاي سيئ التغذية قلت له : يا آدم لقد أعطاك جيل آبائنا ثمن التذكرة منذ ثلاثين عاما. وأعطاك جيلنا منذ عشرة أعوام. ويعطيك جيل جديد في هذه الأيام. تغيرت خطط السفر، وابيض رأسك. حدثت ثورات وانقلابات، واندلعت حروب وخمدت، وتشرد الجنيه أمام غزو الدولار واصبحت أنت اشهر من رئيس الوزراء. هل مازلت تبحث عن ثمن التذكرة ؟ تسلقني بعينين خمسينيتين، بدتا لي تبصران بمشقة. كان جلده يابسا ـ أسنانه لونها السقوط بلون أرض بور. ورئتاه تقيدان تنفسا مهتاجا يوشك أن ينفلت قال: نعم. وأنتظر اليوم الذي يعطني فيه جيل أبنائكم ثمن التذكرة. ومازال السودان يتحف أمة العرب بآيات الإبداع. منذ جيل مضى طلع على روابينا الطيب صالح وكانت أعماله، ومازالت إضافة بل نقلة نوعية متألقة بجمال الفن ـ إلى عمود الرواية العربية ـ لاقيته يوما حين زارنا منذ سنوات في الأمم المتحدة فقلت له: حين كتب صديقنا الناقد الكبير «رجاء النقاش » يقدم إلى الناس أعمال الطيب صالح كان «النقاش» كمن يعيد أمجاد التقاليد العربية حين كانت القبيلة تعيش أعيادها وتولم لضيوفها، إذ ينبغ بين صفوفها شاعر جديد. وقبل الطيب صالح قدم السودان مواكب في طليعة مبدعي الشعر العربي الحديث. من الفيتوري «الليبي أيضا » إلى جيلي عبد الرحمن إلى سيد أحمد الحردلو، وها نحن نطل من خلال المرايا الساحلية على إبداع طازج، مبشر وجميل، عند صاحبنا أمير تاج السر الذي توصف أعماله كما يضيف الناقد العراقي «فاروق يوسف » بأنها: صندوق سحري مأهول بالاسرار، أسرار شقائه وهو يقتنص الماضي بشبكة الكلمات.