الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 القوة الجماعية لمجلس الامن الدولي هي التي تقرر ما اذا كانت السلطات العراقية ترتكب إثم تعويق عمل فرق التفتيش الدولي. والقوة الجماعية لمجلس الامن الدولي ايضا هي التي تقرر ـ في حالة ثبوت تعويق من جانب العراق ـ طبيعة الاجراء الذي ينبغي اتخاذه ازاء بغداد. هذا المعنى المزدوج هو مغزى القرار رقم 1441 الذي اتخذه مجلس الامن الدولي بالاجماع كنهاية لمعركة دبلوماسية حامية بشأن العراق تواصلت لمدى اكثر من شهرين، فهل يعتبر القرار على هذا النحو انتصارا للعراق وهزيمة للدبلوماسية الاميركية؟ ربما يكون الافضل ان نقول عنه انه قرار متوازن ويجب ان نتنبه الى ان وصفه بالاتزان حكم نسبي، اذا اخذنا في الاعتبار الظروف الدولية التي رافقت الاصطراع الدبلوماسي الطويل بين القوى الدولية الخمس الكبرى التي تتحكم في توجهات مجلس الامن الدولي، فقد كانت المعركة الدبلوماسية اساسا معركة مصالح بين فرنسا وروسيا من جهة والقوة العظمى الاميركية (بمساندة من بريطانيا) من جهة اخرى. ومعارك المصالح المتناقضة تحسم عادة بمساومة تتبلور بتنازلات متبادلة. القرار 1441 هو اذن صيغة مساومة تمثل طريقا وسطا في التعامل الدولي مع العراق بين اسلوب تضييق الخناق عليه واسلوب التعاطف معه وهي صيغة ينبغي ان يستقبلها العراق بارتياح لانها اضطرت الولايات المتحدة للتخلي عن موقفها الاساسي، وهو الظفر من مجلس الامن الدولي بقرار ينطوي على تفويض لواشنطن للتصرف عسكريا ضد العراق بصورة تلقائية. ونستذكر ان هذا الموقف الاساسي الاميركي يمثل في حد ذاته تنازلا عن موقف اساسي سابق.. وهو الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين. وهكذا فان المغزى الاكبر للقرار 1441 هو انه يخلو اولا من اية اشارة تتصل بمستقبل النظام الحاكم في بغداد.. ويخلو ثانيا من العقاب العسكري للعراق بصورة فورية او تلقائية. انحصرت صيغة القرار اذن في مسألة التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل، ورغم ان الصيغة لا تشتمل على ادانة مسبقة للعراق كما تريد واشنطن، وانما تفترض ان العراق متهم بريء الى ان تثبت ادانته الا ان مصير العراق ينتقل الآن الى منطقة لا تخلو من غموض. فقد بات الامر معلقا منذ الآن ولمدى الشهور القلائل المقبلة بمدى نزاهة رئيس اللجنة الدولية للتفتيش السويدي هانز بليكس والفرق العاملة تحت امرته. ومصدر القلق هنا ينبع من الماضي المشين للجنة الدولية للتفتيش على عهد رئيسيها السابقين: رتشارد بتلر.. ومن قبله رولف ايكيوس، فقد ثبت بأدلة قاطعة ان فرق التفتيش في عهد كل منهما كانت ابعد ما تكون عن النزاهة كان ولاء بعض عناصر هذه الفرق لواشنطن.. لا للامم المتحدة. بعد 11 عاما من خضوعه لعقوبات دولية صارمة سلبته سيادته الوطنية على موارده وتجارته العالمية، لا يعقل ان العراق مازالت لديه اسلحة نووية وكيماوية وجرثومية. والدليل الظرفي على ذلك هو سعي واشنطن (الذي اجهضه القرار الجديد) للحيلولة دون استئناف عملية التفتيش الدولي لادراكها اكثر من غيرها ان فرق التفتيش ـ اذا توخت النزاهة ـ لن تعثر على شيء.. وبالتالي ينفتح الباب للنظر في الغاء نظام العقوبات المفروض على بغداد. والآن وقد صدر قرار عن مجلس الامن باستئناف التفتيش فان التساؤل حول نزاهة رئيس التفتيش وفرقه يتجدد. هنا يتعادل القلق مع الامل.. لحين اشعار آخر اما سبب القلق فهو اننا لا نعرف شيئا عن نوايا هانز بليكس الرئيس الجديد للجنة الدولية وهل هو موظف دولي ذو نزاهة اخلاقية وغيرة مهنية ام هو عميل للادارة الاميركية كسابقيه بتلر وايكيوس؟ وسبب الامل هو ان البيئة الدولية في مجلس الامن الدولي قد تغيرت بالمقارنة مع عقد التسعينيات.. على نحو ما اثبتت فصول تلك المعركة الدبلوماسية التي برزت خلالها قوتان دوليتان تقولان «لا» لواشنطن للمرة الاولى منذ نهاية الحرب الباردة. في التسعينيات كان مجلس الامن الدولي امتدادا للكونغرس الاميركي، اما الآن فان الامر اختلف والمأمول ان الجسارة التي ظهرت بها كل من فرنسا وروسيا تجاه الولايات المتحدة ربما تدعو موظفا دوليا مثل هانز بليكس لان يفكر الف مرة في تعامله مع مجلس الامن الدولي بشأن المسألة العراقية. ولننتظر لنرى كيف تسير الامور على الصعيد التطبيقي حتى الاسبوع الثالث في فبراير المقبل حين يرفع بليكس تقريره النهائي الى مجلس الامن.