الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 دفعت المرأة المسلمة في عصور التخلف والانحطاط ثمناً باهظاً من كرامتها وانسانيتها، وحشرت في زاوية ضيقة من الحياة كشاهد ودليل على ضيق الأفق، وانعدام قدرة تلك الأجيال على الرؤية أبعد من مواضع الاقدام ظناً منهم ان الخير كله في تهميشها والغاء أدوارها خارج البيت!! واللافت في تلك الثقافة الهشة انها تسربلت بثوب الدين، وتوارت خلفه، لتجعله هو المسئول عن تلك الممارسات المجحفة، وذلك الجور الذي كان له من التبعات الثقال الشيء الكثير!! وقد كان الاجدر بأولئك المجحفين ان يعترفوا بأن ما يفعلونه لا يعدو ان يكون موقفاً معدلاً من مواقف أهل الجاهلية الأولى!! وان ما يروجون له من أفكار ليس سوى نوع من التحول من الموقف الجاهلي الذي كان يدعو إلى وأد البنات وهن أحياء إلى موقف يرفض ذلك الاسلوب الاستئصالي. ويكتفي باصدار حكم عام بأن المواصفات التي تمتلكها المرأة غير كافية لأن تؤهلها للمشاركة الاجتماعية التي تحتاج إلى عقل وخبرة ودراية وكل تلك الأدوات محرومة منها المرأة بالفطرة والوراثة!! وحتى لا يظهروا بمظهر المتقصد للظلم المترصد لالحاق الضرر المعنوي بها، لجأوا إلى تبرير احكامهم العنصرية ضد المرأة إلى بعض الآيات التي لويت أعناق معانيها وتم تحويرها عن مضامينها الطبيعية، وسياقها الذي وردت فيه إلى معان أخرى تخدم أهدافهم التحيزية وآراءهم النابعة من قناعة مطلقة ان كل ما في المرأة عورة وان فتح الباب لدخول رياح التغيير يعني فتح باب الشرور والآثام متكئين كذلك على احاديث لم تشر إلى ما يدور في أذهانهم من قريب أو بعيد ولكنه الظلم المتدثر بالدين!! وقد فات أولئك المتحاملون ان ما يفعلونه لا ينتمي للإسلام من قريب أو بعيد وان نظرتهم تلك عارية عن السند الشرعي الصحيح، وان كل تلك الأباطيل مصنوعة من الجهل والخرافة العائدة في جذورها إلى أعراف أهل الجاهلية الأولى وإلى نظرتهم الاستبدادية نحو الأنثى. ولأن كل ما روج عنه انه من مصدر ديني يحظى بالقداسة ويناله التكريم، ويعتقد انه فوق النقد، فقد سهل مرور تلك الاحكام دون وجود معارضة حقيقية تؤدي إلى رد تلك الهجمة الداخلية على المرأة والتي لم تحدث نتيجة غزو فكري، أو تدخل خارجي وإنما نشأت في داخل المجتمع الإسلامي كنتيجة كبرى من نتائج الجمود الفكري الذي أصاب العقل المسلم، والانكماش الذي آلت إليه الحضارة الإسلامية فيما بعد سقوط الاندلس وما تلاها من أحداث جسام شملت أغلب دول العالم الاسلامي. فلو رجع أولئك المتهافتون على ايذاء المرأة إلى جوهر الاسلام الصحيح لخجلوا من أنفسهم وبادروا بالاعتذار عن تلك المغالطات، وذلك الظلم الذي يحاربه الاسلام، ويتصدى له رافضاً القبول به. لقد أعطى الإسلام المرأة حقوقها بعد ان حال الجهل بينها وبين تلك الحقوق قروناً طويلة، واحتوى أزماتها التي اججتها العادات البالية وفتح لها المجال لتنمو معارفها في ظل الشريعة وتزدهر طاقاتها في تلك البيئة الواعدة التي عززت من رغبتها في اثبات الذات وقدمت لها من الدعم ما فاق توقعاتها. لقد أراد الاسلام لها ان تكون شيئاً مذكوراً، فتحررت بارادته وباختيار من الشعور بالعجز، وانعدام الحيلة وانطلقت تعبر عن قناعاتها على نحو خطف اعجاب الجميع. ولو لم يترك الاسلام من ميراث النبوة إلا شهادة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام لزوجته عائشة بالسبق في ميدان العلم حين أخبر أصحابه عنها ان لديها من العلم ما يفوق الرجال في الحديث الشهير الذي قال فيه: «خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء» وعنى بها عائشة حسب ما أخبرنا به العلماء لكفى ذلك النساء شرفاً وفخراً. فكيف بعد هذا الفضل وتلك الريادة تتلعثم الألسنة في عرض واستذكار ما لحق بها من أضرار، دفعت ضريبته مرتين، مرة في ذلك الزمن الذي تنكر لقيم الإسلام، ومرة أخرى حين حاول الكثيرون اعادة الأمور إلى نصابها ولكن! حدثت أخطاء دفعت بالمرأة من جديد إلى طريق مسدود. وفي الغد سنحاول ان نعرض لواقع المرأة المسلمة الحديث والمعاصر ونقف على أبرز الخطوط العامة لرحلة امرأة نحو تسجيل مواقف تحسب لها لا عليها في ميزان الواقع، وعلى محك الاحداث.