الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 فرق كبير بين الحوار الذي شاهدناه على قناة «الجزيرة» بين الكاتب الصحفي الاميركي «توماس فريدمان» والكاتب والباحث الفلسطيني «الدكتور ابراهيم ناجي علوش» ومن تداخل معهما من المشاهدين ضمن برنامج «الاتجاه المعاكس» وبين الحوار الذي قرأنا عنه والذي جرى بين «فريدمان» والمفكر الاسلامي الدكتور يوسف القرضاوي في بيته في الدوحة. هذا الفرق يكشف لنا الهوة العميقة بين التفكير العقلاني المستنير وذلك التفكير الباحث عن الصدام بأي شكل من الأشكال، العاجز عن الاحتفاظ بالأصدقاء ناهيك عن كسب الأعداء. ولو سلمنا جدلاً بتصنيف «توماس فريدمان» ضمن معسكر الاعداء لانحيازه لاسرائيل ودفاعه عنها ـ كما يرى البعض ـ على خلفية انه يهودي الديانة، وإن كان هذا ليس مسوغاً كافياً، إلا ان الأمر الذي لا يمكن ان نختلف عليه هو انه كاتب مقروء في أنحاء واسعة من العالم، وأنه من أبرز كتاب احدى أوسع الصحف الاميركية انتشاراً، هي صحيفة «نيويورك تايمز» وأنه واحد من المهتمين والمتخصصين في الكتابة عن شئون الشرق الأوسط، وأن لآرائه صدى لدى مواقع القرار في الولايات المتحدة، شأنه شأن غيره من الكتاب الذين تجد كتاباتهم الاهتمام الكافي بها في بلدانهم على خلاف بلدان أخرى نعرفها جميعاً لا تقيم وزناً لرأي كاتب كائناً من كان، ومهما كان وزنه أو كانت مكانته لدى القارئ. وانطلاقاً من هذه الفكرة فقد كان أحرى بمن حاور «توماس فريدمان» في «الاتجاه المعاكس» ومن تداخل من المشاهدين مع الموجودين داخل الاستوديو ان يكون خطابهم اكثر اقناعاً وأكثر عقلانية، عوضاً عن كيل الشتائم والسباب وتسفيه آراء الكاتب الذي أخاله قد وافق على الاشتراك في الحلقة دون أن يحسب حساباً لحوار من هذا النوع، حيث لا يختلف عاقلان على عدم اقرار صيغة خطاب كالذي رأيناه مهما اختلفنا مع ضيف الحلقة أو اتخذنا مواقف عدائية منه. وهاكم نماذج مما قيل من داخل الاستوديو وخارجه: ـ قلة الأدب ليست بديلاً عن قلة الحجة، هذا الشيء الوحيد الذي أود ان أقوله لك (د. علوش مخاطباً فريدمان). ـiشm not your friend (هكذا رد د. علوش على مخاطبه فريدمان له بكلمة صديقي). ـ الرجاء إعطاء الأخ الفلسطيني فرصة بالحديث مثلما تجامل العدو الصهيوني يا أخ فيصل يا طمقراطي (مشاركة من الانترنت موجهة لمقدم البرنامج الدكتور فيصل القاسم). ـ أنا لا أوافق. إنه يكذب. إنه يكذب، أنا قرأت المقال، إنه يكذب (د. علوش رداً على فريدمان). ـ لن تكون مفاجأة لأحد إذا رأينا السيد علوش يقوم بعملية إرهابية يوما ما، فالارهابي لا يولد فجأة، وإنما هي عملية تكوين نفسي وكراهية للذات تتوافر بدرجة كافية عند السيد علوش، ولهذا لا يصح ولا يصلح الحوار مع شخص بهذه الصفات، وأعتقد، إساءة للعرب ان يجلس علوش محاوراً لصحفي مرموق مثل توماس فريدمان. (فاكس من مجدي خليل ـ كاتب من نيويورك). ـ يشخط كلمة ارهابي، ويحط مستسلم، ويحول الفاكس لحاله. (د. علوش رداً عليه). ـ على هذا اللي جالس هذا عندك الصهيوني المتطرف أن يقف (اتصال هاتفي من مشاهد). ـ هذا كذب (تعليق من د. علوش على رأي لفريدمان). هذه النماذج اخترتها من الحوار الذي جرى بهذه الوتيرة على مدى ساعة ونصف الساعة هي مدة البرنامج، وهي نماذج في اعتقادي سيئة لشكل الحوار الذي يمكن ان يتم مع من نختلف معه في الرأي حتى لو صنفناه في خانة الأعداء، إذا كان الهدف من استضافة كاتب كتوماس فريدمان هو نقله من معسكر الاعداء إلى معسكر الاصدقاء. في المقابل قرأنا ان الدكتور يوسف القرضاوي رحب بالكاتب الاميركي «اليهودي» في بيته بالدوحة، وحرص على ان يصافح كل من رافقه مقدماً صورة حضارية للمسلم الحقيقي رغم انه لم يخف ان كثيرين قد نصحوه بأن لا يلقى فريدمان لأنه حسب قولهم يوقع الآخرين في مطبات ولا يصل إلى الحقيقة، الأمر الذي جعل فريدمان يكشف عن انه قد تلقى هو الآخر تحذيراً مماثلاً! في تلك المقابلة أكد الداعية الإسلامي المستنير ان المسلمين مأمورون بالحوار مع الآخر، فهو جزء من منهج الدعوة إلى الإسلام الذي أمر الله به رسوله الكريم وكل مسلم من بعده، موضحاً ان النص القرآني قد اكتفى في الموعظة بأن تكون حسنة، ولم يرض في الجدال إلا بأن يكون «بالتي هي أحسن» لأن الموعظة تكون مع الموافقين، والجدال يكون مع المخالفين، فلابد أن يخاطبوا بأرق الألفاظ وأرفق الاساليب، إيناساً لهم، وتقريباً بينهم وبين المسلمين. لهذا نحن نرحب بالحوار البناء والايجابي مادام يريد البحث عن الحقيقة ولا يريد فرض مفاهيم معينة أو فلسفة معينة أو سياسة معينة علينا. وفي ذلك اللقاء دار حوار حول الارهاب والعنف وقضايا كثيرة، فكان طرح الدكتور القرضاوي ـ الذي قرأناه ـ لها من وجهة نظر المسلم المستنير طرحاً في غاية المنطق والاقناع، وكانت عباراته بعيدة عن الاسفاف وتوجيه الشتائم والاهانات وتسفيه الآراء. وكان تقبل الكاتب الاميركي «توماس فريدمان» لها حسناً وهادئا. الامر الذي يطرح من جديد قضية شكل حوارنا مع الآخر واولئك الذين نعدهم اعداء في ظل نزف الاصدقاء الذي نتعرض له كل يوم بفعل تصرفات طائشة من فئة تقدم صورة مشوهة لاسلام دموي لا يعرف سوى العنف والقتل الارهاب، وفي ظل الاصوات العالية الرافضة لكل شيء، العاجزة عن تقديم اي شيء سوى كسب المزيد من الاعداء. ونعود فنتساءل إلى متى يستمر هذا النزف في كل شيء لدينا.. نزف الكرامة.. ونزف الحكمة.. ونزف التعامل مع العالم المحيط بنا؟ ربما يقول البعض ويعتقد ان العيب في هذا العالم.. لكننا يجب ان نبحث اولاً عن العيوب الكامنة فينا، والتي غدت ثقوباً تمزق نسيج كياننا، وتفسد علاقتنا ببعضنا البعض اكثر مما تفسد علاقتنا بالآخرين. هذا الفرق الذي لمسناه بين حوارين تابعنا احدهما على شاشة التلفزيون، وقرأنا عن الآخر، مع شخصية واحدة من الغرب اختلفت عليها شخصيات من بني جلدتنا، إنما هو مثال يجسد الفارق بين الفكر المستنير القادر على الحوار والاقناع، وذلك الفكر المنغلق على نفسه الذي لم يصل إليه بعد، ان رأيه صواب يحتمل الخطأ وان رأي غيره خطأ يحتمل الصواب. هنا تكمن المشكلة