الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 بتشجيع من رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في محافظة الاستوائية جرى تدشين التمرد في جنوب السودان للمرة الاولى في عام 1955، حين كانت البلاد تتهيأ لاعلان الاستقلال. كان القس الجنوبي الكاثوليكي الاب ساترنينو حلقة الاتصال بين رئاسة الكنيسة في جوبا وقائد التمرد العسكري الذي وقع في توريت الملازم أوليفر ألبينو. ومع فشل التمرد فر القس والضابط إلى نيروبي. كانت حادثة فرارهما نقطة تحول عظمى. فقد كانت، كما ثبت فيما بعد، إيذانا بشن حرب صليبية ضد شمال السودان المسلم. هذه الحرب التي استمرت لمدى 17 عاماً.. ثم اعيد اشعالها على يد جون قرنق عام 1983 ولا تزال مستعرة حتى اليوم. في نيروبي الخمسينيات جرى انشاء التنظيم القتالي الجنوبي تحت اسم «أنيانيا» بتمويل كامل من مجلس الكنائس العالمي (ومقره جنيف) واشراف مباشر من الفاتيكان وبالمقارنة مع الآن فإنه لم يحدث سوى تغيير شكلي في الاسماء. فالكنيسة الكاثوليكية الاوروبية اخذت مكانها المنظمات المسيحية البروتستانتية الاميركية واذرعتها من منظمات «اغاثة» (ويرلد فيجن وكرستيان إيد والوكالة النرويجية) وحلفائها في اللوبي اليهودي الصهيوني. و«أنيانيا» صار اسمها «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، والجنرال تفنج صار العقيد قرنق. واني لاعجب من اولئك السودانيين المثقفين المسلمين الذين يشحذون القريحة والقلم «ليثبتوا» ان الحرب الدائرة جنوب السودان ـ في الماضي والحاضر ـ لا تدار من ناحية الطرف الجنوبي وفق اجندة مسيحية صليبية. ووجه العجب هو ان تلك المؤسسات الكنسية الغربية التي دعمت أنيانيا سابقا وتدعم «الجيش الشعبي» حاضرا لا تتحرج اطلاقا من الجهر بهدفها.. فهي تقول علنا للعالم من خلال الوسائل الاعلامية انها تساعد «الجنوب المسيحي» ضد «الشمال المسلم». وما رأيت المثل الذي يقول «كاثوليكي أكثر من البابا» ينطبق مثل ما ينطبق على اولئك المثقفين السودانيين من المسلمين. في مطلع عقد الستينيات والحرب مستعرة، شنت المؤسسة المسيحية الغربية بقيادة الفاتيكان حملة اعلامية عالمية ضارية ضد حكومة الرئيس ابراهيم عبود بعد ان وضعت نهاية حاسمة لاحتكار الكنائس التعليم المدرسي في جنوب السودان. وقد كان قرار حكومة عبود من قبيل ممارسة السيادة التربوية. فقد قررت ان تكون كل المدارس في الجنوب تابعة لوزارة التربية والتعليم دون التدخل في الانتماء الديني للطلاب. ومع ذلك غضبت الكنائس الغربية. لماذا؟ لأن مناهجها التعليمية كانت تنطوي منهج تبشير.. ومدرسوها كانوا جميعا قساوسة. ولذا شنت حملة تأديبية على الحكومة السودانية. غير ان المؤسسة الكنسية الغربية استردت سيطرتها على التعليم التبشيري ابان مرحلة الحكم الذاتي في الجنوب (1972 ـ 1983) بموجب اتفاقية اديس ابابا للسلام. والاتفاقية نفسها ـ بهذه المناسبة ـ كانت مهرجانا صليبيا. فعراب العملية التفاوضية كان الامبراطور هيلاسلاسي بوصفه راعي الكنيسة الارثوذكسية في افريقيا. والوسطاء كانوا مجموعة من ممثل الفاتيكان وممثل مجلس الكنائس العالمي وممثل اتحاد كنائس افريقيا! ثم ان بروتوكول الاتفاقية كان ينص على تحريم التبشير الاسلامي ونشر اللغة العربية في الجنوب. وصفوة القول ان الحرب في جنوب السودان في الماضي والحاضر هي اولا عدوان على الشمال.. وهي ثانيا حرب صليبية ضد الشمال المسلم. لقد اشتعلت هذه الحرب على ثلاث مراحل: تمرد توريت الاستهلالي في عام 1955، وحرب «الانيانيا» ابتداء من عام 1960، وحرب قرنق ابتداء من عام 1983. وفي كل الحالات الثلاث لم يكن الشمال الطرف الذي ابتدر القتال. الطرف الجنوبي هو الذي يشعل الحرب.. والطرف الشمالي هو على الدوام في حالة دفاع عن النفس. وفي كل المراحل فإن المؤسسة الكنسية الغربية هي القوة الخارجية التي تقف وراء التنظيم القتالي الجنوبي عن طريق التمويل والامداد والدعم الدعائي، انطلاقا من اجندة تبشيرية الهدف الاستراتيجي الاعظم منها هو خلق دولة مسيحية في الجنوب تكون قاعدة لمناوأة المد الاسلامي في القارة الافريقية. وعلى هذا الاساس فإن المسرح الجنوبي في السودان ليس سوى واحد من عدة مسارح اختارتها المؤسسة الصليبية الغربية في انحاء العالم للمنازلة ضد المد الاسلامي العالمي.