الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 كثيرة هي المخاوف، التي بدأت تغزو المؤسسات السياسية والفكرية والحزبية الإسرائيلية، بسبب الفشل الذريع الذي منيت به الحركة الصهيونية، بعد أكثر من نصف قرن وما يزيد. وقد لا يخفى الأمر، بأن ظهور ملامح هذا الفشل بدأت تتضح معالمه، بعد استكمال احتلال الأراضي الفلسطينية في عام 1967، رغم كل ما يشاع عن النتائج السياسية التي حققتها إسرائيل اثر هذه الخطوة الاحتلالية، خاصة بعد إقناعها ليهود العالم من جهة وللغرب الأوروبي والأميركي من جهة أخرى بأنها أصبحت حقيقة ثابتة لا محالة، ويجب التعاطي معها من خلال هذه الحقيقة الدامغة. لكن أياً تكن التفسيرات والتأويلات، حول ثبات الحقيقة وتجذرها، إلا أن إسرائيل بقيت تعاني من هوية يهودية الدولة، بل أكثر من ذلك بقيت تعاني من مقولة دولة اليهود، ولعل هذه القضية ظهرت بشكل جلي في المناطق الفلسطينية عام 1948، من خلال فشلها الذريع في خطتها الاحتلالية الهادفة إلى تهويد الأرض والسكان معاً، فبدلاً من تهويد الأرض والسكان بدأت بعد ما يقارب ثلاثين سنة من احتلالها للأرض وقيام دولتها في الدخول بالمتراجحة الخطيرة إلى ما يسمى بالدولة ثنائية القومية، هذا إذا سلمنا جدلاً بأن اليهود في إسرائيل قومية موحدة، ينحدرون من أصل عرقي صاف ونقي هذا بالنسبة لإسرائيل عام 48. أما فيما يخص الأراضي المحتلة عام 1967، فقد دأبت إسرائيل منذ اللحظة الأولى لاحتلالها الجزء المتبقي من فلسطين ( الضفة الغربيةـ قطاع غزة)، لاستدراك الخطأ الأول عندما أبقت على ما يعادل 120ألفاً من السكان الأصليين في أراضى عام 48، لكنها لم تفلح رغم كل وسائل الترهيب والترغيب التي استخدمتها ضد أبناء الضفة والقطاع، بغية كنسهم وتهجيرهم باتجاه، ما يسمى بالوطن البديل ( الأردن)، بل أنكى من ذلك، أنها ـ إسرائيل ـ دخلت في طور آخر من المشكلات المركبة، فعلاوة على أنها فشلت في كنس السكان الأصليين، وقفت عاجزة أمام الواقع الاحتلالي المستجد، فإذا ما فكرت في ضم هذا الجزء فستغيب أحلامها اليهودية والقومية، وإذا ما أبقت على الواقع الاحتلالي فستبقى تعاني من الخطر الأكبر الذي يهدد استمرار الدولة ذاتها، وهو ما نشهد تداعياته هذه الأيام على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية؛ بحيث وضعت الانتفاضة الفلسطينية الحالية مستقبل دولة إسرائيل على المحك، إن كان لجهة يهودية الدولة أو لجهة إسرائيليتها على وجه التحديد. وقد لا نغالي القول، أن جملة هذه المعضلات التي تشكلت على مدار السنوات الماضية، المترافقة مع فشل كل السياسات والتدابير الملازمة لها، قد خلقت مؤسسات وطنية فلسطينية موازية لمؤسسات الاحتلال، بحيث أصبحت هذه المؤسسات في داخل فلسطين عام48 شريكة بكل ما تعنيه كلمة الشراكة من معنى، على المستوى السياسي والاجتماعي في آن معاً، وموازية بالنسبة للأراضي المحتلة علم 1967، على كل المستويات بما في ذلك الحفاظ الكلي على الهوية العربية في داخلها. بمعنى أدق أنها دخلت في صراع على الهوية ونقائها، بعد أن أرست هيكلية مؤسساتها الوطنية، والتي باتت عصية على التهويد والذوبان والتجاهل، وقد تكون إحدى المحفزات الأساسية لقيام الانتفاضتين الأولى في عام 1987والانتفاضة الثانية « انتفاضة الأقصى» علاوة على رفض الاحتلال، صراع الهويات، وإلا لو كان الأمر غير ذلك ما الذي وحد الفلسطينيين على مساحة فلسطين غير الدفاع عن ثبات ووحدة الهوية؟ بعيداً، عن تشخيص الهوية الفلسطينية، فقد حاولت مؤسسات الهجرة والاستيعاب وملحقاتها، القفز فوق هذه الحالة بتنشيط ما يسمى قانون العودة اليهودي، والذي هدف بالدرجة الأولى إلى مواجهة هذا الواقع بتهويد الأرض كمقدمة لتهجير السكان، وبدأت هذه المؤسسات تعمل بكل ما لديها من قدرات بهدف جلب يهود العالم، وعلى ما يبدو أن روسيا كانت الغنيمة الكبرى بالنسبة لشبكات الاستقدام اليهودية، فقد نجحت ـ مؤسسات الهجرة ـ في عام 1989، أي بعد قيام الانتفاضة الثانية بسنة ونيف، في استقدام ما يقارب من 250ألف شخص بفعل قانون العودة من دول الاتحاد السوفييتي السابق. لكن المشكلة التي بدأت تتضح معالمها، ليس بحجم الاستقدام أو الاستجلاب، بل في العقائد والانتماءات الدينية لهذه الكتلة وما تبعها من كتل مستجلبة، وبدأت تظهر تداعيات هذه القضية ـ المعضلة ـ بعد تكشف الكثير من الحقائق التي كانت تخفيها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أن هذه المعضلة دفعت الكثير من حلقات البحث والدراسة في جامعة بار إيلان، إلى التوقف عند هذه القضية الخطيرة، الأمر الذي دفع الدكتور زئيف حنين المحاضر والباحث في دائرة علوم السياسة في الجامعة المذكورة، وهو من يهود الاتحاد السوفييتي المولود في أوكرانيا، والذي قدم إلى إسرائيل قبل عشر سنوات، إلى دراسة هذه الظاهرة رغم اعتباره لها بأنها مادة ناسفة، لكن لم يجد بداً من فضح التركيبة التي قدمت من هذه المنطقة، بحيث اعتبر أن ثمة فروقاً كبيرة بين مختلف الفئات التي تتشكل منها الكتلة، بتقسيمه لها على ثلاث فئات رئيسية، انطلاقاً من الاتجاهات السياسية والأيديولوجية المختلفة والمتطورة من وجهة نظره، والتي تتضمن كل فئة منها ـ حسب تقديره ـ عشرات الآلاف من البشر. وحتى الذين يشعرون بأنفسهم يهوداً، لم يشعروا بأي صلة مع اليهود وهم يفضلون أن يضعوا أنفسهم حتى في إسرائيل كروس أو أوكرانيين، وتتضمن هذه الفئة تمثيلاً كبيراً للفنانين والرسامين والأدباء والمثقفين والجامعيين. ويقول الدكتور حنين: إنهم مثل كثيرين من المثقفين والجامعيين في روسيا فقد عارضوا الحرب في الشيشان. وأضاف أنهم ترجموا كابوس الشيشان لديهم إلى الواقع الإسرائيلي الفلسطيني بصورة انتقادية على الإطلاق. والانتفاضة بنظرهم تشبه التمرد من جانب الشيشان، ويشبهون سلوك الجيش الإسرائيلي في الضفة وغزة بسلوك الجيش الروسي في الشيشان. ويطلقون حكماً متماثلاً على اللاسامية الروسية وممارسة التمييز تجاه العرب في إسرائيل وهم يساندون، على الأقل جزء منهم تحويل إسرائيل إلى دولة جميع مواطنيها. كما أنهم لا يريدون أن يكونوا يهوداً ولهذا السبب فهم غير معنيين بالحفاظ على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل. بل أكثر من ذلك تظهر الإحصائيات أن أكثر من 100ألف من هؤلاء كيف نفسه مع مقولة الهوية ( الإسرائيلية غير اليهودية) وهناك فئة أخرى تظهر العداء للصهيونية ولدولة إسرائيل. وهناك كثيرون من أفراد هذه الجماعة صوتوا في عام 1999لصالح حداش. وفي عدد من المناطق الفلسطينية ـ خاصة في الناصرة العليا وكرميئيل تتطور صلات يهودية وعمل وتجارة وحتى علاقات زواج بين أفراد هذه الفئة والعرب المسيحيين والمسلمين . وأصبحت هذه الفئات تطالب بصورة أساسية بفصل الدين عن الدولة والعمل بالزواج المدني. خلاصة الأمر أن إسرائيل عندما حاولت الاستقواء بالمهاجرين الجدد وقعت بحالة كالمستجير من الرمضاء بالنار، وأن محاولاتها تأكيد هوية الدولة اليهودية قد باءت جميعها بالفشل، فلا هي غيبت العرب أو هودتهم ولا هي استفادت من الروس في الحفاظ على يهودية الدولة. ـ كاتب فلسطيني