الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 ثمة اخبار وتقارير مرعبة ومقلقة يتم تداولها بشأن بلاد العرب والمسلمين في اوساط غربية مغلقة، يظهر جزء منها على السطح احياناً، ينبغي التوقف عندها طويلاً ومراجعتها من جانب ارباب الرأي والنظم وكذلك اهل الحكم في بلادنا قبل فوات الاوان. ان تكون بلادنا مبتلاة بعشرات وربما بمئات المصائب والمعضلات والنواقص، ومسئوليتنا عن جزء لا بأس به من حصولها او تفاقمها امر لم يعد يناقش فيه او ينكره احد حتى من ارباب الحكم عندنا، وانه لا يصلح امرنا الا مجموعة من الوزارات الجدية والحاسمة القاضية بضرورة والاصلاح والتغيير في كثير من رؤانا ومناهجنا. لكن ان تكون هذه مناسبة لبعض القوى الطامعة في خيراتنا وبلادنا كموقع استراتيجي مهم لتضع الخطط والبرامج التي تلائم تأمين مصالحها او زيادة نفوذها بما يتناسب وتكريس تواجدها العسكري والأمني فتحولنا الى ميدان رماية بالذخيرة الحية لصالح معركة طرد منافسوها، فهذا امر لا اعتقد ان احداً يمكن ان يقبل به من العرب والمسلمين اللهم الا النذر اليسير من ابناء جلدتنا ممن فضلوا الانسلاخ عن امتهم وبيع ضمائرهم مقابل اجر زهيد واحلام سرعان ما ستظهر لهم في اول فرصة قادمة بأنها سراب في سراب. الظاهر من تلك التقارير المرعبة والمقلقة هو ما نشرته بعض الصحافة العربية وتناولته بالشرح والنقد والتجريح وهو ما بات يعرف بـ «دمقرطة العالم العربي» كما يحلو لجناح الحمائم في الادارة الاميركية ان يسميه او «تحرير العالم العربي» كما يحلو لجناح الصقور ان يسميه! اما جزء من الباطن او لنقل ذلك الجزء غير المتداول كثيراً في الصحافة والذي نسمعه بين الحين والآخر من بعض من ابناء جلدتنا الذين فضلوا «الانخراط» في مشروع التغيير الاميركي كما قلت فهو الاخطر ولكم في مثال العراق انذار خطير فقد حدثني صديق عراقي قديم منخرط في شأن التغيير في بلاده منذ مدة التقيته في احدى المؤتمرات الاقليمية عن امر اثناء احتدام النقاش معه حول خطر الغزو الاميركي القادم على العراق اطار صوابي فماذا قال؟ قال لي وهو يرد على نقدي اللاذع لاداء المعارضة العراقية وممارساتها التي تتماهى مع المشروع: «اين انت يا رجل؟ ان كل ما تقوله عن ضعف الاداء لهذه المعارضة صحيح وهي بالتالي لم تعد مقبولة ولا محترمة لدى الاميركيين والحد الادنى من القول فإنها لا تثق بها، خاصة تلك التي لها تاريخ جهادي معروف ويفتخر به العراقيون، ان الاميركيين لم يعودوا يتصلون حتى بالفصائل الستة التي دعوها الى واشنطن وقدمت لهم الوثائق و... انهم الآن يتصلون مباشرة بالاشخاص الذين يظنون بأنهم الأقدر على انجاز مهمة «تغيير» او «تحرير» او «دمقرطة» العراق، انهم يربون ويعلمون جيشاً جديداً من الصحفيين والاعلاميين والمحامين والسياسيين والدبلوماسيين والعسكر الذين يكاتبهم نائب وزير الخارجية الاميركي المكلف بملف العراق «شخصياً» ليعقد لهم المؤتمرات الخاصة في عواصم اوروبا والمدن الاميركية المختلفة شارحاً لهم خطة التغيير الاميركية والواجبات الملقاة عليهم ثم يطلب منهم كتابة التقارير العلمية المتخصصة بشأن نوعية التعامل مع فئات الشعب العراقي المختلفة بعد التغيير المرتقب». ثم اراني هذا الصديق على شاشة كمبيوتره الشخصي الجوال نموذجاً من التقرير الذي كان يعده بهذا السياق وراح يشرح متوسعاً في الآمال المعقودة على خطة التغيير الاميركية ليس للعراق وحده بل وللمنطقة برمتها باعتبارها الحل الوحيد والانجح للخروج مما نحن فيه من أزمة خانقة!! وبعد ان شرح لي مطولاً عن اوضاع العراق الداخلية المزرية وانات الثكالى والمسحوقين واشكال الظلم الذي قال انه لحق بفئات الشعب العراقي الواسعة منذ 34 عاماً هي عمر النظام الحالي وكيف «ان العالم كله بمن فيهم جيراننا الايرانيون والعرب قد تركونا لوحدنا امام المصير المشئوم» فقد صار كل عراقي ـ والقول لا يزال لصاحبنا العراقي القديم ـ على استعداد لاستقبال التغيير القادم في بلاده حتى لو جاء على يد الشيطان والمجرم شارون!! وهنا بالذات ارتجفت اضلاعي وتذكرت للحظة خطاباً شهيراً للفيلسوف الايراني المعروف الاستاذ مرتضى مطهري القاه قبل نحو 35 عاماً في عهد شاه ايران اذ قال فيه مخاطباً شعبه: «مالكم لا تحركون ساكناً لنصرة اخوانكم الفلسطينيين». وانا اقول اليوم بأن المشكلة ليست فقط في هذه التقارير المرعبة والاخبار المخيفة التي نقلت لكم واحدة منها فقط بل الاخطر برأيي ما يحاوله البعض من الساسة والاعلاميين من ابناء جلدتنا مرة اخرى، من ترويج لثقافة «الخيانة» و«بيع الضمائر» سواء بوعي او بدون وعي والاخطر والانكى هو الاصرار على «محو الذاكرة» الوطنية والقومية والاسلامية. فالمراقب الحصيف لابد انه تابع باهتمام ذلك الوزير العربي الذي اراد ترسيخ «نظرية التوسل» عبر شاشات التلفزيون وبرر لمقولة التعامل مع العدو بأن الآخرين كلهم متعاملون وان الفرق بينه وبين زملائه بأنه يمتلك الشجاعة ليقولها ويمارسها علناً بينما الآخرون يمارسونها تحت الطاولة. هذا ما كرره احد زعماء المعارضة العراقية على شاشة اخرى وقاله صحافي معارض على شاشة ثالثة، وهكذا الامر مع آخرين يبدو انهم يساهمون بوعي او بدون وعي باشاعة ثقافة العجز والتوسل وتعويد الرأي العام على ثقافة «انه لا مفر من التطبيع» مع العدو، بل وكسر اي حاجز نفسي كان يفصل حتى الآن بين الوطنية والخيانة، بل ان البعض منهم يستنكر علينا حقنا في التشكيك بأهداف العدو ويذهب آخرون الى مطالبتنا بالتخلي عما يسمونه «بالترهات! التي ورثناها من احمد سعيد وعبدالناصر وزعماء عرب ومسلمين آخرين لم يساهموا الا في مزيد من تأخير شعوبنا!!...». ثم يأتي بعد ذلك زعيم ديني معارض لنظام حكم بلاده ليرد علينا بالقول: «وماذا يضيركم ان ذهبنا الى واشنطن؟ ألم يذهب قبلنا زعماء دينيون بارزون الى نيويورك ويخطبون فيها؟ فهل تحدثوا عن الصلاة والصوم هناك؟ وماذا يضيركم ان طلبنا الدعم الدولي؟ ألم يطلب اصدقاؤكم الفلسطينيون مثل هذا الدعم؟!». ونحن نقول لهذا الزعيم ولغيره ممن سبقت الاشارة اليهم في المقال آنفاً: الذين يذهبون للأمم المتحدة اناس مستقلون واصحاب قرار وليسوا مستدعين لتقديم تقارير عن بلادهم او لاجبارهم على المشاركة في مشروع محو ذاكرة وطن وأمة، والفلسطينيون انما يطلبون الدعم الدولي فإنما يطلبونه لطرد الاحتلال والقوات الغازية عند بلادهم وليس لغزو بلادهم! والاخبار المتواترة التي تتحدث عن مطلب كروسمان (المندوب السامي الاميركي للعراق) من فصائل الستة التي حضرت اجتماعات واشنطن، بأنها ليست مخولة لمناقشة مشروع التغيير الاميركي في العراق في مؤتمر بروكسل المقرر للمعارضة العراقية، بل انها مطالبة «للبصم» على المشروع واعلان تأييدها مسبقاً له قبل الحضور خير برهان على ما نقول. وكلمة اخيرة نقولها لكل صاحب ضمير: ان يخسر الانسان ألف مرة معاركه مع خصمه ليس عاراً لكنه العار الذي ما بعده عار ان يتنازل المرء عن ذاكرة شعب ووطن وأمة بحجة العجز عن التغيير الذاتي أو خذلان الاصدقاء والاشقاء!! ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني